عذب الكلام
ساحة للتأمل والحوار الراقي والقيم السامية

من روائع صلاح عبد الصبور

مرثية رجل تافه

مضت حياته...كما مضت

ذليلة موطَّأة

كأنها تراب مقبرة

و كان موته الغريب باهتا مباغتا

منتظَرا, مباغتا

الميتة المكررة

كان بلا أهل, بلا صِحاب

فلم يشارك صاحبا_حين الصبا_لهوَ الصبا

ليحفظ الوداد في الشباب

طان وحيدا نازفا كعابر السحاب

و شائعا كما الذباب

و كنتُ أعرفه

أراه كلما رسا بيَ الصباح في بحيرة العذاب

أجمع في الجراب

بضع لقيمات تناثرت على شطوطها التراب

ألقى بها الصبيان للدجاج و الكلاب

و كنت إن تركتُ لقمة أنفتُ أن ألمُّها

يلقطها, يمسحها في كمِّهِ

يبوسها

يأكلها

في عالم كالعالم الذي نعيش فيه

تعشى عيون التافهين عن وساخة الطعام و الشراب

و تسألونني: اكان صاحبي؟

و كيف صحبةٌ تقوم بين راحلَيْن؟

إذن لماذا حينما نعى الناعي إليَّ نعيَهُ

بكيتهُ

و زارني حزني الغريب ليلتين

ثم رثيتهُ؟
 
 
مرثية رجل عظيم

 
 
 
كان يريد أن يرى النظام في الفوضى

و أن يرى الجمال في النظام

و كان نادرَ الكلام

كأنه يبصر بين كل لفظتين

أكذوبة ميّتة يخاف أن يبعثها كلامُهُ

ناشرة الفودين, مرخاة الزمام

و كان في المسا يطيل صحبةَ النجوم

ليبصر الخيط الذي يلمُّها

مختبئا خلف الغيوم

ثم ينادي اللهَ قبل أن ينام

الله, هب لي المقلة التي ترى

خلف تشَتُّتِ الشكول و الصور

تغيُّر الألوان و الظلال

خلف اشتباه الوهم و المجاز و الخيال

و خلف ما تسدله الشمس على الدنيا

و ما ينسجه القمر

حقائقَ الأشياء و الأحوال

و تسألونني: أكان صاحبي؟

هل صحبة تقوم بين سيدٍ عظيم

و خادمٍ محتال؟
 
مرثية صديق كان يضحك كثيرا

 
 
كان صديقي

حين يجىء الليل

حتى لا يتعطَّن كالخبز المبتل

يتحول خمرا

تتلامس ضحكته الأسيانة في ضخكته الفرحانة

طينا لمَّاعاً أسود

أو بلورا

و يخشخش في صوت الضحكات المرسَل

صوت كتكسُّر قشر الجوز المثقل

كنا نتلاقى

أو بالأحرى نتوحد, كل مساء

في قاع الحانة

كالأكواخ المتقاربة المنهارة

و الريح من الشباك المترب للشباك المترب

تتسكّع بين فراغات الأشياء

يتنحَّى كلٌّ منا عن موضعه للجار الأقرب

لا عن أدب و حياء

بل خوفا أن تختل الدورة

إذ نتصادم أو نتلاقى

كلمات, أو أذرعة, أو آلاما, أو أهواء

حذرا أن نهتز و نتفتَّح

يتقارب كلٌّ منا في داخله كالأجَمِ الفارغ

فإذا مال تنحنح

كان صديقي في ساعات الليل الأولى

يتجول في بلدتهِ

كانت بلدتُه ساعات الليل الأولى

و يجمِّع من مهجته المنثورة

أو من بهجته المكسورة

ما ذاب نهارا في أسفلت الطرقات

يترشَّفُه قطرات...قطرات

حتى يمتلىء كما تمتلىء القارورة

يتعمَّمُ بالختم الطينيِّ اللمَّاع على عينيه الطيبتين

ينقش فوق نداوته المحبورة

صورةَ كون فياض بالضحكات

يتدحرج نحو الحانة

يتعثَّر في أيدينا مختارا

يهوي مسفوحا

يتأرَّج عطرا, ريحا, روحا

يجعلنا أحيانا نضحك كالخمر الصفراء

إذ ندرك أان الأشياء المبذولة, مبذولة

و الأشياء العادية, عادية

و الأشياء الملساء, مجرد أشياء ملساء

يجعلنا أحيانا نضحك, إذ يضحك كالخمر السوداء

إذ يبصر في ورق الشجر المتهاوي

موتَ البذرة

أو يتحسَّسُ بلسان الحكمة, و اللامعنى

حين يمصُّ ثنايا امرأة في قُبلتها الأولى

جدرانَ الجمجمة النخِرة

كنا, و صديقي, في آخر ساعات الليل

نتحول عاصفة مخمورة

تتخدد فوق ملامحنا

تجعلنا نهتزُّ و نتفتَّح

تجعلنا نتكسَّر

حتى نبدو كتلا متشابهة, متكررة, متآلفةً

من إنسان فرد متكثِّر

مات صديقي أمس

إذ جاء إلى الحانة, لم يُبصر منا أحدا

أقعى في مقعدهِ مختوما بالبهجة

حتى انتصف الليل

لم يُبصر منا أحدا

سالت من ساقيهِ البهجة

و ارتفعت حكمته حتى مسَّت قلبَه

فتسمَّم بالحكمة

غاب الندماء, فلم يقدر أن يتحول خمرا

و تفتَّت مثل رغيف الخبز
 
صلاح عبد الصبور

(0) تعليقات

القران الكريم بالرسم العثماني

القران الكريم بالرسم العثماني

حمل نسختك
(0) تعليقات

اتجاهات الشعر العربي المعاصر

اتجاهات الشعر العربي المعاصر
د. احسان عباس
سلسلة عالم المعرفة

حمل الكتاب
(2) تعليقات

العرافة المقدسة


قصيدة للشاعرأمل دنقل ...

العرافة المقدسة
جئت إليك مثخنا بالطعنات والدماء
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدسة
منكسر السيف، مغبر الجبين والأعضاء
أسأل يا زرقاء
عن فمك الياقوت عن نبوءة العذراء
عن ساعدي المقطوع .. وهو ما يزال ممسكا بالراية المنكسة

عن صور الأطفال في الخوذات... ملقاة علي الصحراء
عن جاري الذي يهم بارتشاف الماء
فيثقب الرصاص رأسه .. في لحظة الملامسة
عن الفم المحشو بالرمال والدماء
أسأل يا زرقاء
عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدار
عن صرخة المرأة بين السبي والفرار
كيف حملت العار
ثم مشيت؟ دون أن أقتل نفسي؟ دون أن أنهار؟
ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة؟
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي بالله باللعنة بالشيطان
لا تغمضي عينيك، فالجرذان
تلعق من دمي حساءها .. ولا أردها
تكلمي لشد ما أنا مهان
لا الليل يخفي عورتي .. ولا الجدران
ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدها
ولا احتمائي في سحائب الدخان
.. تقفز حولي طفلة واسعة العينين.. عذبة المشاكسة
كان يقص عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادق
فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادق
وحين مات عطشا في الصحراء المشمسة
رطب باسمك الشفاه اليابسة
وارتخت العينان
فأين أخفي وجهي المتهم المدان؟
والضحكة الطروب: ضحكته ..
والوجه .. والغمازتان

***

أيتها النبية المقدسة
لا تسكتي .. فقد سكت سنة فسنة لكي أنال فضلة الأمان
قيل لي اخرس
فخرست وعميت ائتممت بالخصيان
ظللت في عبيد عبس أحرس القطعان
أجتز صوفها
أرد نوقها
أنام في حظائر النسيان
طعامي الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسة
وها أنا في ساعة الطعان
ساعة أن تخاذل الكماة والرماة والفرسان
دعيت للميدان
أنا الذي ما ذقت لحم الضان
أنا الذي لا حول لي أو شأن
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان
أدعي الى الموت ولم أدعَ الى المجالسة
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي تكلمي
فها أنا علي التراب سائل دمي
وهو ظمئ يطلب المزيدا
أسائل الصمت الذي يخنقني
ما للجمال مشيها وئيدا
أجندلا يحملن أم حديدا
فمن تري يصدقني؟
أسائل الركع والسجودا
أسائل القيودا
ما للجمال مشيها ويدا
ما للجمال مشيها وئيدا؟

***

أيتها العرافة المقدسة
ماذا تفيد الكلمات البائسة؟
قلت لهم ما قلت عن قوافل الغبار
فاتهموا عينيك، يا زرقاء بالبوار
قلت لهم ما قلت عن مسيرة الأشجار
فاستضحكوا من وهمك الثرثار
وحين فوجئوا بحد السيف: قايضوا بنا
والتمسوا النجاة والفرار
ونحن جرحي القلب
جرحي الروح والفم
لم يبقي الا الموت
والحطام
والدمار
وصبية مشردون يعبرون آخر الأنهار
ونسوة يسقن في سلاسل الأسر
وفي ثياب العار
مطاطئات الرأس، لا يملكن الا الصرخات التاعسة

* * *

ها أنت يا زرقاء
وحيدة، عمياء
وما تزال أغنيات الحب، والأضواء
والعربات الفارهات، والأزياء
فأين أخفي وجهي المشوها
كي لا أعكر الصفاء الأبله المموها
في أعين الرجال والنساء
وأنت يا زرقاء
وحيدة عمياء
وحيدة عمياء

يونيو 1967

(0) تعليقات

دنقل كموضوع للشعر

دنقل كموضوع للشعر

حلمي سالم


لماذا لم أكتب شعرا عن أمل دنقل؟ راودني هذا السؤال بغتة أثناء تحضيري كتاب 'عم صباحا أيها الصقر المجنح' الذي يصدر عن المجلس الأعلى للثقافة محتويا علي القصائد التي كتبها الشعراء (المصريون والعرب) في رثاء أمل دنقل بعد رحيله الأليم في مايو عام.1983
والحق أنني اكتشفت أثناء إعدادي هذا الكتاب أن هذا الشاعر (دنقل) الذي تصور الكثيرون انه كان أثناء حياته ¬نفورا من الآخرين وعدوانيا إنما كان يحظى بطاقة محبة هائلة للآخرين، ومن الآخرين.
وحيث 'ان المعاصرة حجاب' كما يقولون فقد حرر رحيله طاقة حب الآخرين له من قيودها، لتنكشف عن مودة واحترام غامرين للرجل ولتجربته الشعرية علي السواء.
وقد تنوعت قصائد الشعراء في رثاء أمل دنقل بين قصائد تقوم علي عرض مرتكزات شعر دنقل من الحرية والعدل وكرامة الإنسان وتحرير الفرد والوطن، ونصوص تقوم علي عرض صاحبها بمناسبة أمل دنقل، ونصوص تقوم علي المقارعة الجمالية بين نظريتين فنيتين:
نظرية الراثي ونظرية المرثي (الكاتب والمكتوب عنه(.
يجمع بين هذه القصائد جميعا: مرارة فقد الراحل وصدق الشعور بأن الشعر (والوطن) قد خسرا ركنا ركينا ورثاء النفس في قناع من رثاء الآخر.
إذن، لماذا لم أكتب شعرا في رثاء أمل دنقل، لأكون ضمن هذه النخبة المميزة¬ من الأجيال والتيارات المختلفة¬ التي بكت الرجل الذي قال: 'أيها الشعر، يا أيها الفرح المختلس'؟
صحيح ان أمل دنقل ورد عندي في إشارتين عبر نصين صغيرين، داخل سياق أعم. كانت الأولي في قصيدة طويلة بعنوان 'أجمل مريضة سرطان' ضمن ديوان 'يوجد هنا عميان' إذ تقول قطعة من قطع هذه القصيدة الطويلة:

هكذا نري فوارق بينها وبين أمل دنقل:
فهو مخلوق من القافية،
بينما هي موقنة ان سورة يوسف كلام عادي.
صحيح ان الفروق مؤثرة في علاقة المخ بالمخ
غير ان الورقة التي ارتطمت بإسفلت إسكندرية
جعلتهما يتوجسان من خدعة الذين قالوا: نعم
فلا لزوم لأن تلح المرأة في السؤال.
عن الحي الذي يقع فيه معهد الأورام.
حيث الثقافة المغطاة بالدم،
وحيث بات ممكنا امتلاك العالم
بحاسة السمع.

وكانت الثانية ضمن قصائد ديوان 'الثناء علي الضعف 'تحت الطبع في 'ميريت') في قصيدة قصيرة بعنوان 'السرطان' تقول:


بالأمس حلمت به
وبدأت أستعد لأوضاعي في حضوره:
قررت ان استمتع بالشفقة في عيون الأصدقاء
وانتويت ألا أسجل نموذجا لإرادة الحياة
فقط: دموع سيدة بعينها
هي مالم أستقر علي طريقة لمواجهتها
خاصة إذا تحدثت عن ضياع الليلة الأولي
لامرأة لم يقبلها في فمها احد.
لم أتبين أين سيكون موقعه مني:
هل الحنجرة مثل محمد عناني؟
هل المثانة مثل أمل دنقل؟
هل الرئة مثل أم فاطمة قنديل؟
عموما: المعلومات في الأحلام
عادة ما تكون مضببة
فلا داعي للميلودراما
ثم ان السيدة التي رفعت ثوبها
لكي أشاهد شامة البطن
ليست بحاجة الى مزيد من الحسرة.
هون عليك يا سيد
هوني عليك يا سيدة'.

هاتان كانتا الإشارتين اللتين انصرفتا الى أمل دنقل في شعري، لكنني لم أكتب قصيدة كاملة تتعلق من بابها برثاء أمل دنقل فلماذا لم أفعل؟

أ¬ يبدو ان خوفي من 'السرطان' الذي انتشر في الهواء، والذي أخذ مني مجموعة من أعز الناس جعلني أجفل من رثاء دنقل، حتى لا أكون في مواجهة مباشرة مع السرطان.

ب¬ يبدو أنني شعرت بأنني لن أستطيع التعبير شعرا عن تحول موقفي من شعر أمل دنقل من حال الى حال، ذلك التحول الذي عبرت عنه مرات طوال السنوات الماضية، نثرا.

ذلك أنني في سنوات السبعينات كنت¬ مع كثير من أبناء جيلي¬ أري أن شعر دنقل شعر مباشر زاعق لا يعيش، ومع اتساع رؤيتنا الشعرية في سنوات الثمانينات تعدل هذا الرأي المجحف، إذ تكشف لنا ان الشعر الواضح ذا الموقف السياسي الجلي ليس شرا في كل حال، وان شعر دنقل لم يكن كله مباشرا، وأنه يقيم تضافرا مركبا بين الموقف الفكري والتشكيل الجمالي، وان قصائده في سنواته الأخيرة (ديوان: أوراق الغرفة رقم8) بلغت من الصفاء الفني والإنساني مبلغا رفيعا، وأن الشعر عديد وكثير وليس له نبع واحد وحيد أوحد.
هل كان يمكنني أن أعبر عن ذلك التحول بالشعر، مثلما فعلت بالنثر؟ لعل ذلك كان صعبا، ولعله كان ممكنا لكنني جفلت، فلم أقدر علي ما قدر عليه رفيقي حسن طلب، حينما أقام قصيدته 'زبرجدة الى أمل دنقل' 'التي كتبها أثناء مرض أمل لا بعد رحيله' علي تساجل وجهتين في الشعر: وجهة تري ان القريض 'فيوض الجلال ومطلق آياته وغموض الجمال إذا شف عن ذاته، انه كالزبرجد في الرونق المحض، أو كالبنفسج في الروض، وهو الرياضة والمستراض' ووجهة تري ان 'القريض اعتراض وكلام من القلب يجنح للشعب' وصاحبها هو القناص وآلته الاشصاص، وشاعرها يمتاز على أقرانه 'بحاجة مباحة وديباحة مبيحة' فهو 'واحد الندي' إذ يرق 'لواحد القريحة'.
أقول: ربما أشفقت ان أدخل هذه المغامرة الشائكة التي لم يشفق منها حسن طلب، فخاض المغامرة بنجاح ليخرج لنا واحدة من أجمل ما قيل في دنقل وزاد من اشفاقي شعوري بوجوب الاعتراف شعرا بتحول موقفي من دنقل، فعللت نفسي بأن المقالات النثرية قد قامت بهذا الاعتراف وأعفتني من حرج الاعتراف شعرا، لاسيما إنني كنت حريصا في الشعر علي ان أوضح إننا مختلفون عن السابقين، حيث قلت مرة 'هل عاد لائقا لمثلي ان يقول: صافية أراك يا حبيبتي كأنما كبرت خارج الزمن'، وقلت مرة: 'أريد أن أكتب شعرا لعينيك، شريطة إلا أقول فيه: عيناك، يالكلمتين لم تقالا أبدا'، قاصدا إعلان اختلاف جيلي عن عبدالصبور وحجازي.

ح¬ يبدو أنني من صنف الشعراء الذين لا يجيدون إفراد قصائد كاملة في رثاء راحل أو راحلين، حيث أجد ميلي الرئيسي يتوجه إلي إحضار الراحل في النص كإشارة أو إحالة أو تيمة أو عنصر، ضمن المتن الأساسي للقصيدة كلها فعلت ذلك في حالة أمي وأبي وعبدالرحمن بن عمي (الذي رحل بسرطان المخ) وعلي قنديل وسعيد فراج وعدلي فخري ومحمد عيسي القيري وكثيرين من أعزاء حياتي. وهذا مع فعلته مع أمل دنقل.
والشاهد أنني أخاف رثاء النفس، وعندي ان رثائي أي شاعر هو رثاء للنفس وإذا كان شعر أمل دنقل قد ضمن له حياة طويلة في قلب الجماهير والقراء ومحبيه من الشعراء السابقين عليه والمجايلين له واللاحقين عليه، فإنني لا أضمن ذلك لنفسي، ولذا ابتعدت عن رثاء دنقل حتى لا أرثي نفسي فأموت مرتين: مرة قبل موتي ومرة بعد موتي.
ولأنني لم أرث أمل دنقل بقصيدة كاملة، ولأن عبدالمنعم رمضان صديقي، فإن عبدالمنعم سيسمح لي ان أستعير بعض سطور قصيدته 'المتاهة' لأقدمها لدنقل قائلا:

تشرق الآن على حشاي
أنت خائف
وأنت منتش
وأنت غفل
تفتح الباب الذي تطل منه ركبتاك
ثم لا تقول
علقي دمي يا أم في خطاي
أوصديني تجاه الريح
وابحثي عن قامتي في قبري المنسوب لي
تدف كالغبار فوق هذه الجهات
تحسب الحصى خطيئة
وتنتوي الرحيل
إليك شرفة الموتى
وغرفة المعزين
وخاتم العويل
تقدموا إليه إنه الجسد'

ولأن شعر أمل صار ملكا للجميع، فإنني سأسمح لنفسي بأن أستعير كلماته في رثاء الصقر (أليس دنقل هو الصقر؟) وأقدمها إليه، كأنني أرثيه وأرثي الصقر وأرثي نفسي، قائلا:

'عم صباحا أيها الصقر المجنح
عم صباحا
سنة تمضي
وأخري سوف تأتي
قبل ان أصبح، مثل الصقر،
صقرا مستباحا.





(0) تعليقات

ذكريات أمل دنقل جابر عصفور

ذكريات أمل دنقل

جابر عصفور
(مصر)


مات أمل دنقل في الصباح الباكر من اليوم الحادي والعشرين من أيار (مايو) سنة 1983. مضت تسع عشرة سنة على وفاته, ولكنه باقٍ بشعره الذي تتوهج معانيه, خصوصاً في تلك الأيام التي تعربد فيها إسرائيل كما يحلو لها, فتستعيد ذاكرتي ما كتبه من (تعليق على ما حدث في مخيم الوحدات) وأدرك معنى أن (سرحان لا يتسلم مفاتيح القدس) وأكاد أصرخ في انتظار السيف:

انظري أمتك الأولى العظيمة
أصبحت شرذمة من جثث القتلى
وشحاذين يستجدون عطف السيف.

وأستعيد ما كتبه أمل عن فلسطين, والقدس, وعن صديقه مازن جودت أبي غزالة الذي رحل مع العاصفة, والذي كتب من أجله أمل (بكائية ليلية) استهلها بقوله:

للوهلة الأولى
قرأتُ في عينيه يومَه الذي يموتُ فيه.
رأيتُه في صحراء (النقب) مقتولاً...
منكفئاً.. يغرز فيها شفتيه
وهي لا تردُ قبلةً لفيه!
نتوه في القاهرة العجوز, ننسى الزمنا
نفلت من ضجيج سياراتها, وأغنيات المتسولين
تُظلُّنا محطةُ المترو مع المساء... متعبين.
وكان يبكي وطناً... وكنت أبكي وطنا
نبكي إلى أن تنضب الأشعار
نسألها: أين خطوط النار?
وهل ترى الرصاصة الأولى هناك... أم هنا?

ولا أعرف هل هي مصادفات الزمان, أم علاقة جيلنا بشرط التاريخ, هي التي جعلتني أعرف أمل دنقل في سياق من الهزائم والانكسارات القومية. وكانت البداية هزيمة العام السابع والستين التي استجاب إليها بقصيدته (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) التي كانت بكاءنا جميعاً على ما حدث, ثم جاءت مرثية جمال عبدالناصر (1918-1970) بعنوان (لا وقت للبكاء) تعبيراً عن رغبة مقاومة الانحدار, والتطلع من جديد صوب الأماني القومية التي بدت بعيدة. ودخلنا أيام السادات التي واصل فيها أمل دنقل أقسى درجات رفضه الاجتماعي والسياسي, خصوصاً في ما سمي عام الضباب, ذلك العام الذي اقترب فيه أمل الشاعر من الحركة الطالبية الغاضبة, وصاغ بقصيدته (أغنية الكعكة الحجرية) ذروة تعبيرها الاحتجاجي الذي تمثل في الاعتصام بميدان التحرير حول النصب الذي كان قائماً فيه, وهو الاعتصام الذي فضّته أجهزة الأمن بالقوة خوفاً من تفاقم نتائجه, فسقط بعض الطلاب ضحية الاصطدام. وانطلق صوت أمل دنقل يسجّل (الإصحاح الأول) من (سفر الخروج):

أيها الواقفون على حافّة المذبحه
أشهروا الأسلحه!
سقط الموتُ; وانْفَرَطَ القلبُ كالمسبحهْ
والدم انساب فوق الوشاح!
المنازل أضرحَه,
والزنازن أضْرحَهْ
فارفعوا الأسلحه
واتبعوني!
أنا ندم الغد والبارحه
رايتي: عظمتان... وجُمجُمَه
وشعاري: الصباح.

وقد نشر أمل دنقل قصيدته للمرة الأولى في مجلة (سنابل) التي كان يصدرها الشاعر محمد عفيفي مطر من محافظة كفر الشيخ, أيام المحافظ إبراهيم بغدادي الذي اتصل به يوسف السباعي, وطلب منه إغلاق المجلة بعد أن نشرت قصيدة (الكعكة الحجرية). لكن القصيدة ظلّتْ تُقرأ في المحافل الطالبية التي حضرها أمل دنقل الذي أصبح أكثر الأصوات الشعرية المتمردة تجاوباً مع وجدان الطلاب الساخطين. والغريب أن حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 لم تقلل من أهمية هذه القصيدة, وإنما شحذت الهمم لاستكمال الانتصار على العدو الإسرائيلي وتحرير الأرض العربية.
ولكن مضت الأشهر, ودخلنا في مباحثات فصّل القوات التي تحولت في النهاية إلى استهلال لمباحثات السلام. وكانت اللحظة الحاسمة هي اليوم الذي ذهب فيه السادات إلى القدس ليعرض الصلح على إسرائيل, وندخل فعلياً في مباحثات السلام التي رفضها أمل دنقل, كما رفضها غاضبون كثيرون غيره, أملاً في موقف قومي صلب يتأسس به سلام عادل.
وكان ذلك هو السياق الذي بدأ بالاتفاق الأول لفصل القوات بين مصر وإسرائيل في كانون الثاني (يناير) 1974, وتصاعد مع الاتفاق الثاني في أيلول (سبتمبر) 1975, وازداد تصاعداً مع إلغاء السادات معاهدة الصداقة المصرية - السوفياتية في آذار (مارس) 1976, كما ازداد تفاقماً بثورة الخبز في كانون الثاني (يناير) 1977, وزيارة السادات للقدس في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه. لكن هذه الزيارة لم تمنع إسرائيل من اجتياح الجنوب اللبناني في آذار 1978, ولم تمنع السادات من المضيّ في محاولات السلام, تلك التي مضت في مسارها الذي انتهي بتوقيع السادات وبيغن اتفاقات كامب ديفيد التي شهد عليها الرئيس الأميركي كارتر بصفته الوسيط.
وكان أمل بدأ يكتب (لا تصالح) من قبل توقيع الاتفاق النهائي, لا لأنه يرفض السلام وإنما لأنه يرفض الاستسلام, ويتطلع إلى سلام عادل يعيد جميع الحقوق لأصحابها, وإلا فلا لزوم له, ولا مفر من مواصلة الكفاح من أجل استعادة الأراضي السليبة كلها. وما أسرع ما تحولت (لا تصالح) إلى قصيدة قومية يرددها كل الرافضين للتنازلات التي قدمها السادات ثمناً للصلح مع إسرائيل. وكانت حِدَّة رفضه السياسي في ذلك الوقت مقرونة بالسخرية التي كانت تدفعه إلى كتابة أسطر من قبيل:

أيها السادة: لم يبقَ انتظارْ
قد منعنا جزيةَ الصمت لمملوكٍ وعَبْدْ
وقطعنا شعرةَ الوالي (ابن هند)
ليس ما نخسره الآنَ...
سوى الرحلة من مقهى لمقهى
ومن عارٍ لعَارْ!!

وقد عرفت أمل شخصياً مع نهاية الستينات, شدتني إليه قصائده التي كان ينشرها في مجلة (الكاتب) القاهرية, ومنها قصيدة (أشياء تحدث في الليل) التي كانت تعرية للفساد المتقنع في زمن عبدالناصر, وجاءت قصائد الهزيمة التي تركت في نفسي أعمق الأثر, ونكأت الجراح التي ظلت مفتوحة, فاقتربنا بعد أن تعارفنا بواسطة أصدقاء مشتركين, وأصبحنا صديقين نزداد قرباً يوماً بعد يوم, ويكتشف كل منا في صاحبه ما يزيده احتراماً له واقتناعاً بقيمته. وأسهمت (الجمعية الأدبية المصرية) التي كانت تضم صلاح عبدالصبور وفاروق خورشيد وعز الدين إسماعيل وعبدالرحمن فهمي وأحمد زكي في ترسيخ جذور هذه الصداقة, فقد كنا نلتقي في لقاءات الجمعية الأدبية, ونخرج سوياً بعد انتهاء الندوة أو الأمسية الشعرية التي غدونا طرفاً فيها, أمل بشعره وأنا بنقدي, وننطلق إلى وسط القاهرة, نتصعلك إلى اقتراب الصباح.
وقد جذبتني صفات أمل الشخصية: الحس العالي بالرجولة, الكرامة التي لا تقبل التنازل مهما كان هيناً, الاعتزاز بالنفس إلى أبعد حد, الترفع عن الصغائر, الوفاء النادر, الإخلاص الحقيقي, المحبة الخالصة, النهم المعرفي الذي لا يهدأ, روح الانطلاق التي لا تعرف السكون, رغبة المغامرة التي لا تخشى شيئاً, الوعي السياسي القومي الذي لا يقبل المهادنة ويرفض الاستسلام, احتقار المال على رغم الحاجة إليه, تقديس الشعر بصفته الفرح المختلس الذي يمنح الحياة معنى, الجسارة المتناهية في كتابته, والشجاعة القصوى في التعبير عن الرأي أو السلوك مهما كانت العقبات.
وكنت أجد في أمل ما افتقده في تكويني الأكاديمي العقلاني الذي كشف لي عن بعض انغلاقه, خصوصاً حين كان لا يكف عن مشاكستي لإيثاري العزلة بين كتبي, مؤكداً لي أن لا نجاح حقيقياً للناقد الذي أَنْطَوي عليه إلا بخوض نار التجربة الحية للدنيا التي تدعونا إلى مواجهتها والمغامرة فيها. ولم يكن يتردد في انتزاعي من عملي العلمي, قبل مشغلة المناصب والعمل العام, خصوصاً إذا لاحظ إرهاقي من القراءة أو الكتابة, فيصحبني في جولاته الليلية التي لا تنتهي, كاشفاً لي عن خبايا القاهرة التي عرفتها معه, وعن المعادن المختلفة للبشر الذين خبرت منهم الكثير بفضله.
أما هو فكان يجد في شخصيتي - في ما يبدو - بعض ما افتقد هو إليه, فتعمقت صداقتنا التي لم تعرف الخصام يوماً, ولا المشاجرة, الأمر الذي كان يثير عجب من حولنا, ودفع بعض أصدقائنا المشتركين إلى حسدي على أنني الوحيد الذي لم يتعارك معه أمل, أو يصطدم به, أو يختلف معه اختلاف مقاطعة. وما أكثر ما كان أمل يتعارك ويصطدم ويختلف ويقاطع, وما أكثر الذين خاصمهم وخاصموه, والذين ناصبوه العداء بسبب حِدَّته الجارحة في التعامل معهم. وكان ذلك بسبب طبعه الناري وحدِّية شخصيته التي لم تكن تقبل أنصاف الحلول, أو تتسامح مع المناطق الرمادية, فمع أمل إما أن تكون منتسباً إلى اللون الأبيض الناصع فكرياً وإنسانياً وإبداعياً وسياسياً أو إلى اللون الأسود القاتم, ولا وسائط أو مناطق وسطى, ولا تسامح مع البين بين أو المواقف المترددة, فالجنوبيّ الذي انطوى عليه أمل كان أشبه في صلابة حدِّيته بغرانيت المعابد الفرعونية التي تجوّل بينها, صبيّاً, في أقصى الجنوب.
لقد اختار الكتابة, وأدرك أن كتابة الشعر هي الفرح المختلس في الواقع المختل, وآمن أن الفرح المختلس لا يكتمل إلا بالصدق الجارح, حتى لو صادرت العسس ما كتبه, أو غضب الغاضبون, فالخيانة للنفس هي التخلّي عن حَدِّية الصِّدْق من أجل المجاملة, أو من أجل مكسب سريع. وكان عليه - كي يحافظ على صلابته الداخلية - أن يستغني عن الكثير من الضروريات, فلم يمتلك سكناً, أو يعرف منزلاً دائماً, ولم يؤثّث بيتاً, ولم يستعبد نفسه بوظيفة تفرض عليه تنازلاً أو مهادنة, ولم يسع وراء المال الذي لم يكن يتحصّل منه إلا على ما يقيم الأوَد, ولم يكن يخجل من الاقتراض من أصدقائه القريبين مع علمه وعلمهم أن القرض لن يردّ, ولم يستطع أن يقدم هدية متواضعة لخطيبته إلا بعد أن باع قطعة أرض ورثها عن أبيه في بلدته, وظل على حذر دائم من الأغنياء, معتزّاً بفقره والفقراء, شعاره:

هذه الأرض حسناء, زينتها الفقراء, لهم تتطيبُ
يعطونها الحُبَّ, تعطيهم النسل والكبرياء

فكان أحد الفقراء الذين يعيشون مغتربـين, أو يتكدّسـون - في صرخة الجوع - فوق الفراش الخشن.
ولذلك تعاطف مع شخصية أبي نواس الشاعر العباسي في قصيدته الشهيرة (من أوراق أبي نواس). ورأى فيه بعض الوجه القديم لتمرده, وبعض المعاناة القديمة للوضع الهامشي المعاصر, وبعض التمرد في كتابة الشعر - الفرح المختلس الذي كانت تصادره العسس.
ولكن أمل دنقل لم يؤمن بتقية أبي نواس, حتى وان شاركه بعض الخصال, فقد كان قادراً على أن يقول ما لا يقال, وما لا يجرؤ غيره أن يقوله. وكنت أسأل نفسي, أحياناً, من أين تأتيه كل هذه الجسارة? وكانت الإجابة سهلة: من توهج الروح الأَبِيَّة, وشجاعة القلب الذي لا يعرف الخوف, واستغنائه عن الحرص الذي أذلّ أعناق الرجال, ومن حب مصر الذي ظل يتدفق بين الشرايين والأفئدة, الحب الذي دفعه إلى رفض النزوح, أيام الهجرة الكبيرة للمثقفين المصريين الذين تركوا مصر في زمن السادات, إيثاراً للسلامة, أو طلباً للأمان, أو بحثاً عن المال. وظل هو في مصر التي لم يفارقها إلا مرة واحدة في حياته, لحضور مؤتمر شعري في بيروت سنة 1981, إن لم تخن الذاكرة, وظل متمسكاً بالبقاء, معلناً أن البقاء في ذاته مقاومة لفساد العصر الساداتي, وأنه لا معنى لأي فعل من أفعال الرفض خارج الوطن, فمن يريد تغيير الوطن عليه البدء من داخل شبكة العلاقات المعقدة لواقعه.
ولذلك جاءت قصيدته (مقابلة خاصة مع ابن نوح) تجسيداً لموقفه المصرِّ على البقاء في الوطن, ومحاولة تغييره من داخله, من دون التخلّي عنه بالنزوح منه.
وانبنت القصيدة على قطبين متضادين, كعادته في الكثير من شعره, قطب النزوح الذي اختار ممثلوه النجاة من الطوفان بسفينة نوح, وقطب البقاء الذي اختار أصحابه محاربة الطوفان, وعدم التخلي عن الوطن حتى لو فقدوا حياتهم. -

جريدة (الحياة) لندن (15/5/2002 )


الشاعر امل دنقل
(0) تعليقات

قراءة في قصيدة لا تصالح

قراءة في قصيدة
"لا تصالح" أمل دنقل

حمد فضل شبلول
(الإسكندرية/مصر)

احتوت الأعمال الكاملة للشاعر الراحل أمل دنقل على ستة دواوين شعرية كاملة هي:
مقتل القمر - البكاء بين يدي زرقاء اليمامة - تعليق على ما حدث - العهد الآتي - أقوال جديدة عن حرب البسوس - أوراق الغرفة (8) - بالإضافة إلى سبع قصائد متفرقة ترجع كتابتها إلى تواريخ مختلفة وهذه القصائد هي: إلى صديقة دمشقية (أيلول 1966) عشاء - البطاقة السوداء "إلى أنور المعداوي" - لا أبكيه (1973) وهي من الشعر العمودي "بحر الرمل" وكتبت في وفاة "طه حسين" - العراف الأعمى (1974) - نجمة السراب - وأخيرًا قصيدة أيدوم النهر؟ (1980).
ومن أحدث الدواوين التي ظهرت قبيل ظهور هذه الطبعة الكاملة لأعمال الشاعر، ديوان "أقوال جديدة عن حرب البسوس" الذي قامت بطبعه مكتبة المستقبل العربي للنشر والتوزيع بالقاهرة، والذي ضم بين دفتيه قصيدتين فقط هما مقتل كليب "الوصايا العشر" التي اشتهرت بـ (لا تصالح) ومراثي اليمامة.
وقد اكتسبت قصيدة مقتل كليب أو "لا تصالح" المكتوبة في نوفمبر "تشرين الثاني 1976م" شهرتها قبل اتفاقيات كامب ديفيد وبعدها، وعلى وجه التحديد بعد توقيع اتفاقيات فضّ الاشتباك بعد حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر 1973م - المجيدة.
لذا فإننا نرى أن الفعل "لا تصالح" تكرر عشرين مرة في المقاطع العشرة أو الوصايا العشر لهذه القصيدة.
تكرر هذا الفعل مرتين في كل وصية، عدا الوصية الخامسة التي تكرر فيها ثلاث مرات في السطر الأول، والسطر السابع والسطر السادس عشر؛ لذا فإننا نراه يجيّء مرة واحدة في الوصية السابعة في أول سطر فقط، بينما احتوت الوصية العاشرة أو الأخيرة على هذا الفعل فقط مكررا مرتين.
لا تصالح
لا تصالح
وكأن الشاعر مع نهاية القصيدة يريد أن يؤكد تأكيدًا نهائيًّا - مع إسدال الستار على وصاياه - على هذا الفعل الذي كان محور القصيدة منذ أول حروفها وحتى نهايتها.
والمتأمل لتكرار هذا الفعل المسبوق بـ "لا" الناهية سيكتشف أن الشاعر استخدمه بكل أبعاد أو طاقات فعل الأمر الموجود في لغتنا العربية، فهو يستخدمه مرة بغرض التوسُّل، ومرة بغرض الأمر الفعلي أو الحقيقي، ومرة بغرض الرجاء أو النصح، ومرة تُحِسُّ أن الشاعر مجرد طفل صغير يتوسل لأخيه الكبير أو لأبيه، أو يستعطفه كي لا يُقْدِم على هذا الأمر الجلل وهو الصلح مع العدو، ومرة تحس بأنه هو الكبير والمدرك للأمور كلها، أو هو الراوي العليم الذي لديه حاسة الرؤية المستقبلية؛ لذا فإنه يملك الأمر والنهي في قوله "لا تصالح"، ومرة تحس بأنه نِدُّ لمن يأمره وبأنه يتساوى معه في الرتبة أو في المقام؛ لذا فإنه يقدم الرأي الواثق، ومرة تحس بأنه رجل عجوز خبر العراك وخبر النفوس البشرية؛ لذا فإنه يقدم نصيحته للطرف الآخر بأن لا يصالح.
والشاعر في استخدامه في كل مرة لهذا الفعل "لا تصالح" يأتي بمبررات عدم الصلح حتى تكون مسألة الإقناع أكثر إفادة وأكثر تأثيرًا على الطرف الآخر.

-1-

في المقطع الأول أو في الوصية الأولى يأتي الشاعر بصورة منطقية يقبلها كل إنسان عاقل، هذه الصورة عبارة عن معادلة رياضية طرفها الأول يقول:
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما .. ..
وطرفها الثاني يقول: هل ترى ؟؟؟؟
وهو لا يذكر لنا النتيجة المترتبة على هذه المعادلة أو إجابة هذا السؤال - ولكننا نعرفها من خلال خبرتنا بالحياة، ومن خلال تعاملنا مع البشر ومع الأحياء، ومن خلال ملاحظاتنا لما حولنا، تلك النتيجة - أو الإجابة - التي ستكون بالنفي قطعًا - لأن الجوهرة التي ستثبت مكان العين لن تعطينا الرؤية على الإطلاق رغم قيمتها المادية الكبيرة.
إنه بهذه المعادلة التي ترك لنا مهمة استخراج نتيجتها، يضع الطرف الآخر الذي يقول له "لا تصالح" أمام حالة منطقية عقلانية بحتة لعله يعي ما سوف يترتب من آثار على هذا الصلح.
وكأن الشاعر يعرف أن الطرف الآخر لن يستجيب له أو لن يعي نتيجة المعادلة أو إجابة السؤال الذي طرحه على هيئة معادلة؛ لذا فإنه يلجأ إلى وسيلة أخرى للتأثير وهي الرجوع إلى الوراء (فلاش باك) حيث الذكريات، إنه يذكر الطرف الآخر بأيام الطفولة.
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك
حسُّكما - فجأة - بالرجولة،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق .. حين تعانقه
الصمت .. - مبتسمين - لتأنيب أمكما ..
وكأنكما
ما تزالان طفلين !
لعل هذا الطرف يتذكر أحلى أيام العمر، أيام الطفولة والنقاء والطهارة والصدق، لعله يتذكر ويتراجع عن قراره الذي اتخذه بشأن الصلح مع العدو، وحينما يحس أيضًا أن ليست هناك استجابة من قِبَلِ هذا الطرف، يلجأ إلى استخدام طريقة أخرى للتأثير وهي طريقة ربما تكون أيضًا عقلانية، ولكنها تمس وترًا من نوع آخر وهي الاستهانة بهذا الطرف الذي يعتقد أنه وصي على الأبناء:
إنك إن مت:
للبيت رب
وللطفل أب
ثم يلجأ لوسيلة أخرى، هي استثارة النخوة العربية عن طريق توظيف الأمثلة العربية أو الشعبية في هذا التساؤل الاستنكاري أيضًا:
أتنسى ردائي الملطخ .. ..
تلبس - فوق دمائي - ثيابًا مطرزة بالقصب ؟؟
ثم ينهي الشاعر هذه الوصية الأولى بسطور أشبه ما تكون بالتحذير لهذا الطرف أو لهذا "الآخر" الذي لا يريد أن ينصت إليه رغم كل التوسلات، ورغم كل الأساليب التي لجأ إليها في السطور السابقة بهدف التأثير:
إنها الحرب !
قد تثقل القلبَ .. ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالح .. ..
ولا تتوخَّ الهرب !
ويتضح منذ البداية أن الشاعر يستخدم تفعيلة بحر المتدارك "فاعلن" الخماسية، وأحيانًا يستخدم مخبونها فَعِلُن (بتحريك العين) وهي التفعيلة التي أكثر الشاعر من استخدامها في مراحله الشعرية الأخيرة، وديوانه أوراق الغرفة (8) خير شاهد على ذلك.
ويلاحظ على المقطع الأول - أو الوصية الأولى - أن الشاعر تحلل في كثير من الأحيان من التقفية، ومن المعروف أن أمل دنقل من أكثر الشعراء المعاصرين (المحدثين) لعبًا بالقافية التي كثيرًا ما يجيد استخدامها في الشعر التفعيلي، إلا أنه بقليل من التدقيق سنجد أنه في السطور الأخيرة يستخدم قافية الباء الساكنة مع فتح الحرفين السابقين لها (القصب - العرب - الهرب)، وقد كانت هناك إرهاصة لهذه القافية في السطر الثاني من القصيدة في كلمة الذهب في قوله (ولو منحوك الذهب)، ويطلق على هذا النوع من القافية اسم (المتدارك)، أيضًا يلاحظ أن هذه القافية تكررت في السطر الثامن عشر في قول الشاعر (وللطفل أب)، مما يدل على أن الشاعر حاول أن يقيم هذا البناء الموسيقي الخارجي في بعض سطور هذه الوصية ونجح في ذلك خمس مرات، بالإضافة إلى تنويعه الداخلي لهذا النوع من الموسيقى مثل (هل ترى - لا تشترى) و(كأنكما - بينكما)، وربما هذه الموسيقى تستخدم كنوع من التأثير على الطرف الآخر، بالإضافة إلى الوسائل الأخرى التي ذكرناها من قبل.

-2-

أما المقطع الثاني أو الوصية الثانية فقد وقعت في عشرين سطرًا استخدم فيها الشاعر الفعل "لا تصالح"، كما ذكرنا من قبل مرتين في السطرين الأول والثاني فقط:
لا تصالح على الدم.. حتى بدم !
لا تصالح ولو قيل رأس برأس،
وهنا يلجأ الشاعر إلى صيغة السؤال، تلك الصيغة التي استخدمها أربع مرات تمثلت في السطور:
أقلب الغريب كقلب أخيك ؟؟؟
أعيناه عينا أخيك ؟؟!
وهل تتساوى يد.. سيفها كان لك
بِيَدٍ سيفها أَثْكَلك ؟؟؟
وصيغة السؤال هنا - أيضا - تفيد الاستنكار، خاصة أن ثلاثة أسئلة من الأسئلة الأربعة بدأت بالهمزة.
إن السؤال هنا يحمل في طياته إجابته، ويحس بأن مثل هذه الأسئلة السابقة تلقي بظلال من التوبيخ فضلاً عن الاستنكار.
وإذا كان الشاعر في وصيته الأولى استخدم ذكريات الطفولة - عن طريق التركيز على الماضي كنوع من أنواع التأثير - فإنه في وصيته الثانية يستخدم الصيغة المستقبلية عن طريق تكرار "سيقولون" مرتين.
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم
جئناكْ .. كن - يا أمير - الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم
وهذا نوع جديد من التأثير، أي إنه يقول للآخر: إنه أعلم منه بالعدو وبخباياه النفسية وبطواياه وبطرائقه في التعامل وبمنطقه في الإقناع، فلا يغرنك هذا كله، لأنه ما هو إلا أساليب وحيل مكشوفة ومعروفة ومفهومة.
وهنا يبرز فعلاً أمران جديدان غير "لا تصالح" وهما: قل لهم - اغرس، في قوله:
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيف في جبهة الصحراء ..
إلى أن يجيب العدم
وبقدر ما تفيد أفعال الأمر في النصح والإرشاد، بقدر ما تدلنا على أن الشاعر كان أكثر حكمة وأكثر إدراكًا وأكثر فهمًا لما يجري من حولنا ويتعلق بمصيرنا، إنه يقدم نصحه وإرشاده للآخر الذي يوجه إليه الأمر منذ مطلع القصيدة، والذي يوجه إليه الفعل المسبوق ب "لا تصالح" خلال القصيدة ككل.
ونلاحظ في هذه الوصية الثانية أن الشاعر يعزف على نوعين من القافية، الأولى رويها الميم الساكنة في (بدم - الحكم - عم - العدم) والثانية رويها الكاف الساكنة في (كان لك - أثكلك - فيمن هلك - كنت لك - وملك) مع ملاحظة أن الكاف الساكنة تغلبت - في العدد - على الميم الساكنة.
ومن الصور الشعرية البارزة جدًا في هذا المقطع قول الشاعر:
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
وهي من الصور الشعرية التي من الممكن أن يقال عنها إنها "مستحيلة" لأن العدم من المستحيل أن يجيب، ومن هنا يظل السيف مغروسًا في جبهة الصحراء استعدادًا للنزال والحرب التي ستظل إلى أن يجيب العدم.
وأعتقد أن سر بروز هذه الصورة في هذا المقطع، أنه جاء مفرغًا من أية صورة شعرية عدا هذه الصورة الجميلة المستحيلة.

-3-

أما الوصية الثالثة فقد وقعت في تسعة وعشرين سطرًا رجع الشاعر خلالها مرتين إلى استدعاء صور وذكريات للطفولة عله يستطيع التأثير بهذه الطريقة على الآخر وذلك في قوله:
وتذكرْ .. .. .. .. ..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن
الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنت أخيك "اليمامة"
زهرة تتسربل - في سنوات الصبا -
بثياب الحداد
كنت، إن عدتُ:
تعدو على درج القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي .. ..
فأرفعها - وهي ضاحكة - ..
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن صامتة
حرمتها يد الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداء الثياب الجديدة
من أن يكون لها - ذات يوم - أخ
من أب يتبسَّم في عرسها
وتعود إليه إذا الزوج أغضبها
وإذا زارها .. يتسابق أحفاده نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا .. ..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلم)
ويشدُّوا العمامة
إلا أننا نقول: إن الشاعر استخدم أسلوب النصح في مطلع هذه الوصية في قوله:
لا تصالح .. .. ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخات الندامة
ولأول مرة يستخدم الشاعر فعل الأمر (تذكر) صراحة في القصيدة والمعطوف على الفعل لا تصالح.. وهنا نلاحظ أن الشاعر يستخدم (إذا) التي تفيد عدم التأكد من وقوع هذا الأمر، وأنه ما زال في شك من أمر الآخر.
يلاحظ في هذا المقطع أن الشاعر يعتمد في موسيقاه على نوعين من القافية مثلما لاحظنا في المقطع السابق، النوع الأول رويه الدال الساكنة في قوله: (الرقاد - السواد - الحداد - الجواد - الرماد)، أما النوع الثاني الميم المفتوحة فالهاء الساكنة في قوله: (الندامة - ابتسامة - اليمامة - العمامة - اليمامة "مرة أخرى").
ويلاحظ أن عدد كل من القافيتين جاء متساويًا في هذه الوصية.

-4-

وفي الوصية الرابعة يعود الشاعر مرة أخرى لاستخدام صيغة السؤال ثلاث مرات، في هذا المقطع الذي وقع في سبعة عشر سطرًا، حيث يقول الشاعر:
كيف تخطو على جثة ابن أبيك ؟
وكيف تصير المليك .. .. ..
على أوجه البهجة المستعارة ؟
كيف تنظر في يد من صافحوك .. ..
فلا تبصر الدم .. .. ..
في كل كف .. .. ؟
إن هذه الأسئلة تفيد الاستنكار وتؤكد على استحالة أن يحدث مثل هذا، وبمثل هذه الكيفية، التي جاء ذكرها في الأسئلة؛ لذا نرى الشاعر يبدأ أسئلته الثلاثة بـ "كيف".
في هذه الوصية يلاحظ كثرة استخدام القافية، وكثرة تنوعها:
1- (الأمارة - المستعارة - شارة - الأمارة "مرة أخرى").
2- (أبيك - المليك - صافحوك).
3- (كل كف - من الخلف - ألف خلف).
4- (سيف - زيف).
5- (الشرف - الترف).
وكما لوحظ فإن النوع الأول من القافية كان أكثر انتشارًا وأكثر توزيعًا بين سطور هذه الوصية، حيث انتشرت هذه القافية في أواخر السطور (الثاني - الخامس - الحادي عشر - الثالث عشر).


-5-

في الوصية الخامسة - كما سبق أن أوضحنا - يستخدم الشاعر "لا تصالح" ثلاث مرات في السطر الأول - السطر السابع - السطر السادس عشر، في حين أن هذه الوصية تكونت من واحد وعشرين سطرًا.
وهو يستخدم الصيغة (ولو قال - ولو قيل) مرتين في هذا المقطع في قوله:
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدام
".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام .."
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
إن الغائب يصبح حاضرًا في هذا الجزء من الوصية؛ لأننا سنعرف - أو أننا نعرف بالفعل - من هو الذي يمكن أن يقول ما بنا طاقة لامتشاق الحسام، ومن الذي يداعبنا بكلمات عن السلام أو بكلمات من السلام.
إن القافية في هذا الجزء تتراوح بين الميم الساكنة المسبوقة بألف المد والسين الساكنة، وذلك في قوله (الصدام - الحسام - السلام - الغرام - ينام - الطعام - الفطام) و (تتنفس - بخرس - المدنس - منكس - المقدس).
كما يلاحظ أن الشاعر يعود إلى استخدام صيغة التساؤل في هذه الوصية بالإضافة إلى صيغة الأمر، فعلى حين تجد أن الشاعر يستخدم التساؤل خمس مرات في قوله:
1- كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنس ؟
2- كيف تنظر في عيني امرأة أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟
3- كيف تصبح فارسها في الغرام ؟
4- كيف ترجو غدًا .. لوليد ينام ؟
5- كيف تحلم أو تتغنى بمستقبل لغلام وهو يكبر بين يديك - بقلب منكس ؟
نجد أنه يستخدم النهي في: لا تقتسم، والأمر في: ارو (تكررت ثلاث مرات) خلافًا للنهي في: لا تصالح الذي تكرر ثلاث مرات أيضًا، أي أن الشاعر استخدم صيغة الأمر سبع مرات في هذه الوصية.
وربما يكون هذا الجزء هو أكثر الأجزاء استخدامًا لصيغة التساؤل وفعل الأمر معًا، إن التساؤلات السابقة التي تفيد الاستنكار والتعجب تفيد أيضًا معرفة الشاعر لخصوصية الشخصية التي يخاطبها، بل معرفة الخصائص النفسية، وهنا يلاحظ على هذه التساؤلات:
إن الشاعر يستخدم الصيغة التي تبدأ بـ "كيف" التي ربما تفيد التعجب، ولكن طرحها خمس مرات على هذا النحو يدل على أن الشاعر يريد الوصول إلى الكيفية التي يفكر بها هذا الآخر الذي يخاطبه أو يوجه إليه التساؤلات، إنه يريد أن يتخطى الطريقة التي يفكر بها الآخر نظريًّا إلى الطريقة العملية، عن طريق تكرار هذه الصيغة التي بدأت بـ "كيف"، وربما أنه يستنكر على هذا الآخر أن يفعل مثل هذه الأفعال، فإنه بطريقة غير مباشرة يقول لنا إنه عرف أو يعرف خصائص شخصيته، بل إنه في التساؤل:
كيف تنظر في عين امرأة
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟
يضع الآخر في مواجهة مع النفس، وتكون المواجهة عنيفة جدًا أو أعنف ما يكون؛ لأنه يطعنه في رجولته، ويطعنه فيما يتعارف عليه الرجل الشرقي من حمايته للضعيف، خاصة إذا كان هذا التساؤل على هذا النحو، إنه يأتي كصفعة قوية لعلَّ الآخر يفيق من غفوته ويعمل بنصيحة الشاعر في قوله "لا تصالح" التي هي سر كتابة هذه الوصايا، أيضًا يأتي التساؤل الثاني:
كيف تصبح فارسها في الغرام ؟؟؟
مؤكدًا على هذا المعنى.
وإذا كان الشاعر قد لجأ إلى ما أسميناه بالصورة الشعرية المستحيلة في قوله:
واغرس السيف في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
وذلك في الوصية الثانية، فإنه يلجأ مرة أخرى إلى مثل هذه الصورة الشعرية المستحيلة في هذه الوصية الخامسة في قوله - في نهايتها:
واروِ قلبك بالدم .. ..
واروِ التراب المقدس .. ..
واروِ أسلافك الراقدين .. ..
إلى أن ترد عليك العظام !
وتكمن الاستحالة في هذه الصورة في السطر الأخير "إلى أن ترد عليك العظام"، وكما قلنا إنه من المستحيل أن يجيب العدم في الوصية الثانية، فإننا نؤكد أيضًا على استحالة أن ترد العظام، ومن هنا يظل الآخر عاكفًا على إرواء قلبه بالدم وعاكفًا على إرواء التراب المقدس من هذا الدم، وعاكفًا على إرواء الأسلاف الراقدين إلى أن ترد عليه العظام، أي إلى أن تحدث معجزة وترد العظام أو إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

-6-

الوصية السادسة تتكون من خمسة وعشرين سطرًا، وهنا نلاحظ أن الشاعر يلجأ إلى الحكمة في قوله:
إنه الثأر
تبهت شعلته في الضلوع .. ..
إذا ما توالت عليه الفصول
وتأتي الحكمة من نفس بيئة القصيدة، ومن نفس البناء المعماري والبناء النفسي الذي اعتمدت عليه القصيدة كلها.
ويلاحظ أيضًا أن صيغ التساؤل التي تكررت في الوصايا السابقة تنعدم في هذه الوصية، وأن فعل الأمر الذي تعودنا على أن نراه في الوصايا السابقة ينخفض عدده ليصبح فعلاً واحدًا هو "خذ" في قوله:
فخذ - الآن - ما تستطيع
هذا خلافًا للفعل "لا تصالح" الذي تكرر مرتين في السطر الأول، والسطر التاسع عشر، ويلاحظ على هذا الجزء السادس أن الشاعر يلجأ إلى نوعين من القافية تراوحت بين اللام فالهاء الساكنة في قوله: (القبيلة - الجليلة - القليلة - حيلة - الذليلة)، وقافية الواو أو الياء فاللام الساكنة في قوله: (القبول - يطول - جيل - المستحيل - الفصول).

-7-

أما في الوصية السابعة فإن الشاعر يستخدم الفعل "لا تصالح" مرة واحدة فقط في السطر الأول من الوصية، وهنا يلجأ الشاعر مرة أخرى إلى أسلوب النصيحة في قوله:
لا تصالح، ولو حذَّرتك النجوم
ويلاحظ استخدامه لصورة من حياة الأقدمين في قراءاتهم للنجوم واستشارتهم للكهان، وهذه الوصية تتكون من 23 سطرًا، كما يلاحظ أيضًا على هذه الوصية أن عنصر الحكي أو القص واضح فيها، بالرغم من أنها بدأت بالفعل "لا تصالح":
لم يصح قاتلي انتبه
كان يمشي معي
ثم صافحني
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ
فجأة
ثقبتني قشعريرة بين ضلعين ..
واهتز قلبي كفقاعة - وانْفَثَأ !
وتحاملت حتى احتملت على ساعدي
فرأيت: ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفى بوجهٍ لئيم
لم يكن في يدي حربة
أو سلاح قديم
لم يكن غير غيظي الذي يشتكي الظمأ !

ويلاحظ في هذه الوصية أن الفعل الماضي نسبته قد ارتفعت كثيرًا؛ لأن هذا الفعل يتناسب مع عملية الحكي أو القص أو السرد، ومن هذه الأفعال الماضية التي لاحظنا وجودها (حذرتك - رمى - صافحني - سار - اختبأ - ثقبتني - اهتز - انفثأ - تحاملت - احتملت - رأيت)، هذا بالإضافة إلى الصيغ أو التعبيرات المركبة التي تدل على الزمن الماضي مثل: (لم أمد - لم يصح - كان يمشي - لم أكن).
أما عن القافية فقد تراوحت بين استخدام الهمزة الساكنة مع فتح ما قبلها والتي تكررت ست مرات (النبأ - الخطأ - لم أطأ - اختبأ - انفثأ - الظمأ) واستخدام الياء أو الواو فالميم الساكنة، والتي تكررت أيضًا ست مرات في قوله: (النجوم - التخوم - الكروم - الزنيم - لئيم - قديم).

-8-

الوصية الثامنة تتكون من 23 سطرًا، أيضًا استخدم الشاعر فيها الفعل "لا تصالح" مرتين كعادته، كما أتى بكلمة "الصلح" مرة واحدة منفردة في قوله:
فما الصلح إلا معاهدة بين ندين
وهو في هذه الوصية ينصح الآخر بأن لا يصالح حتى تستقيم الأشياء وتستقر ويعود كل شيء إلى موضعه الطبيعي، ذلك أن كل شيء تحطم في لحظة عابرة، كل شيء تحطم في نزوة فاجرة:
لا تصالح
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة
النجوم .. .. .. .. . لميقاتها
والطيور .. .. .. .. لأصواتها
والرمال .. .. .. .. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة

إن الأشياء التي تحطمت في لحظة عابرة وفي نزوة فاجرة هي:
1- الصبا
2- بهجة الأهل
3- صوت الحصان
4- التعرف بالضيف
5- همهمة القلب حين يرى برعمًا في الحديقة يذوي
6- الصلاة لكي ينزل المطر الموسمي
7- مراوغة القلب حين يرى طائر الموت وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة.
إنه عالم من الطفولة والبهجة والأصالة والكرم والحب والنقاء والطهر قد افتقدناه، فكيف تأتي عملية المصالحة وكل هذه الأشياء غائبة عنا؟ إن الموجود حاليًا في عالمنا هو نقيض هذه الأشياء، الموجود هو (الشيخوخة - الحزن - الخديعة والمكر والقشور - الشح والتقتير - الكراهية والنجاسة - والبغضاء والشَّحناء ..).
كيف تأتي مسألة الصلح والطرف الآخر (العدو) الذي سأتصالح معه ليس أنبل وليس أمهر مني، بل إنه محض لص، كيف يسرقني ويسلبني وأذهب إليه وأتفاوض معه من أجل الصلح؟
لا تصالح
فما الصلح إلا معاهدة بين ندين ..
(في شرف القلب)
لا تنتقص
والذي اغتالني محض لص
سرق الأرض من بين عيني
والصمت يطلق ضحكته الساخرة !

أما عن استعمال الشاعر للقافية فقد تكررت الراء فالهاء الساكنة سبع مرات في قوله: (الدائرة - الناظرة - عابرة - الكاسرة - الماكرة - فاجرة - الساخرة)، مع إدخال بعض القوافي الأخرى لكسر رتابة هذه القافية مثل التاء فالهاء الممدودة (ميقاتها - أصواتها - ذراتها)، والتاء فالهاء المكسورة (بمشيئتهِ - بسكينتهِ)، والصاد الساكنة (لا تنتقص - محض لص).

-9-

تتكون الوصية التاسعة من 11 سطرًا استخدم الشاعر فيها الفعل "لا تصالح" مرتين في السطر الأول والسطر الثامن، وهنا يستخدم هذا الفعل بغرض التحذير:
لا تصالح
ولو وقفت ضد سيفك كلُّ الشيوخ
والرجال التي ملأتها الشروخ
إنه يحذره من أبناء قبيلته فربما يجد هذا التصالح هوى في نفوسهم؛ لذا فإن الشاعر يكشف له الحقيقة في هذه الوصية لأن مثل هؤلاء ما هم إلا رجال ملأتهم الشروخ:
هؤلاء الذين يحبون طعم الثريد
وامتطاء العبيد
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم
وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ
إن الشاعر يلجأ إلى أسلوب جديد في هذه الوصية يعزف عليه، وهو أسلوب الترغيب والمدح، فربما يستطيع بواسطة هذا الطريق التأثير على الآخر، إنه يقول له:
لا تصالح
أنت فارس هذا الزمان الوحيد
وسواك .. .. .. المسوخ
إنها المرة الأولى التي يستخدم فيها الشاعر هذا الأسلوب في الإقناع والتأثير وربما يكون قد لجأ إليه لإحساسه بأنه استنفد كل وسائله من النصح والإرشاد والأمر والاستعطاف والرجاء والتوسل … إلخ؛ لذا فإنه يلجأ أخيرًا إلى أسلوب المدح فربما يستطيع الوصول إلى منطقة نفسية لم يطرقها من قبل عن طريق المدح والثناء على غرار ما كان يفعل شعراؤنا الأقدمون.
ويلاحظ على هذا المقطع أن الشاعر استخدم قافية الواو فالخاء الساكنة في قوله: (الشيوخ - الشروخ - الشموخ - المسوخ)، وأيضًا استخدم قافية الياء فالدال الساكنة في قوله: (الثريد - العبيد - أن تريد - الوحيد).

-10-

أما في الوصية الأخيرة فإن الشاعر مع إسدال الستار على كل وصاياه لا يملك إلا أن يكرر الفعل "لا تصالح" مرتين:
لا تصالح
لا تصالح
ليؤكد على أهمية هذا الفعل المحوري الذي جاءت من أجله كل القصيدة، إنه لا يملك إلا ترديد لا تصالح مرتين بكل ما في هذا الفعل من طاقة وتأثير وإيحاء ومقدرة على الفعل سبق للشاعر أن نثرها في كل الوصايا السابقة؛ لذا فإنه لا يستطيع أن يقول في النهاية شيئًا أكثر من:
لا تصالح
لا تصالح

*****

الوثبة الفنية في قصيدة "لا تصالح":
يقول د. مصطفى سويف في مقال له بعنوان "النقد الأدبي ماذا يمكن أن يفيد في العلوم النفسية الحديثة" - (مجلة فصول - المجلد الرابع - العدد الأول - أكتوبر/ نوفمبر/ ديسمبر 1983م): "لقد كشفت النتائج التي أمكن الوصول إليها من دراسة العمليات النفسية في إبداع الشعر عن أن الوحدة الأولية للقصيدة هي "الوثبة"، وهذا بناء مغاير للوحدة الفنية المعتادة التي هي البيت، والوثبة مجموعة من الأبيات تليها دفقة واحدة من دفقات النشاط الفكري الإنتاجي، وبالتالي فإن التفكير الإبداعي في الشعر يتقدم في خطوات تتخذ شكل وثبات، أي أن فكر الشاعر لا يتقدم من بيت إلى بيت ولكن من وثبة إلى وثبة، وليس للوثبة طول ثابت، فقد تكون ثلاثة أبيات وقد تكون سبعة أو أكثر أو أقل ....".
ونحن إذا قمنا بتطبيق هذا المفهوم النقدي النظري على القصيدة التي نحن بصدد دراستها فسنجد أن هذه القصيدة تحتوي على عدد هائل من "الوثبات"، وعلى سبيل المثال سنجد أن الوصية الأولى التي تكونت من 26 سطرًا قد احتوت على تسع وثبات يمكننا طرحها على النحو التالي بغرض تقريب هذا المفهوم النقدي من الأذهان:
1- لا تصالح !
ولو منحوك الذهب
2ـ أترى حين أفقأ عينيك،
ثم أثبت جوهرتين مكانهما ..
هل ترى .. .. ؟
3ـ هي أشياء لا تشترى
4ـ ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسكما - فجأة - بالرجولة،
هذا الحياء الذي يكبت الشوقَ ,, حين تعانقه،
الصمت - مبتسمين - لتأنيب أمكما ..
وكأنكما
ما تزالان طفلين !
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أن سيفان سيفك ..
صوتان صوتك
5ـ أنك إن مت:
للبيت رب
وللطفل أب
6- هل يصير دمي - بين عينيك - ماء ؟؟؟
7- أتنسى ردائي الملطخ .. ..
تلبس - فوق - دمائي - ثيابًا مطرزة بالقصب ؟؟؟
8- إنها الحرب !
قد تثقل القلب .. ..
لكن خلفك عار العرب
9- لا تصالح .. .. ..
ولا تتوخَّ الهرب
وبهذا المفهوم التطبيقي سيتضح أن كل وصية تحتوي على عدد من الوثبات، وقد رأينا بالفعل أنه ليس للوثبة طول ثابت فقد تكون سطرًا أو أكثر.
وما من شك في أن هذا المفهوم النقدي الجديد نحن في حاجة إليه، وفي حاجة إلى مفاهيم نقدية مماثلة تمكننا من الاقتراب أكثر من مفاهيم وجماليات الشعر العربي المعاصر، وهذا لن يتأتَّى إلا بمعانقة المفهوم النظري للمفهوم التطبيقي للشعر بعامة.




(1) تعليقات

بعض فضائل القرآن

بعض فضائل القرآن

قال الله تعالى :

]اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [ العنكبوت : (45).

]إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ[ فاطر : (29-35)

]وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ الأعراف : (204)

]اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [ الزمر : (23)

]الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [ البقرة : (121).

]وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الشورى : (52).

]لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ الحشر : (21).

]وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [ الإسراء : (82).

]وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [ الحجر : (87).

]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ الحجر : (9).

]إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ القيامة : (17).

البخاري :

4937 حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ ابْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ : « مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ » .

5027 حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ t عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ : « خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ » ، قَالَ : وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الْحَجَّاجُ قَالَ : وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا .

5028 حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ r : « إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ » .

5060 حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ : « اقْرَءُ وا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ » .

مسلم :

223 حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلاَلٍ حَدَّثَنَا أَبَانُ حَدَّثَنَا يَحْيَى أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلاَّمٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : « الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآَنِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَالصَّلاَةُ نُورٌ ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ».

798 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : « الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ »

803 و حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ r وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ : « أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلاَ قَطْعِ رَحِمٍ » ؟ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُحِبُّ ذَلِكَ . قَالَ : « أَفَلاَ يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ ، وَثَلاَثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاَثٍ ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ » .

804 حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ يَعْنِي ابْنَ سَلاَّمٍ عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلاَّمٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ : « اقْرَءُ وا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا ، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ » ، قَالَ مُعَاوِيَةُ : بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ : السَّحَرَةُ .

805 حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلاَبِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ : « يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ » - وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ r ثَلاَثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قَالَ : - « كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا » .

677 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالُوا أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُمُ : الْقُرَّاءُ فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ ، فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ r إِلَيْهِمْ ، فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ ، فَقَالُوا : اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا ، قَالَ : وَأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا خَالَ أَنَسٍ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ فَقَالَ حَرَامٌ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لأَصْحَابِهِ : « إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا وَإِنَّهُمْ قَالُوا اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا » .

2699 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ الْهَمْدَانِيُّ وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى قَالَ يَحْيَى أَخْبَرَنَا و قَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : « مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ » .

2700 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالاَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَقَ يُحَدِّثُ عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ r أَنَّهُ قَالَ : « لاَ يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ حَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ » .

(0) تعليقات

النُحَاة وحُروفُ الجَرّ

النُحَاة وحُروفُ الجَرّ
 صلاح الدين الزعبلاوي 

كتاب جديد
(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية