متن الآجرومية الإمام العامل، بحر العلوم أبو عبد الله محمد بن محمد بن آجروم الصنهاجي محمد بن محمد بن داود الصنهاجي، أبو عبدالله. ولد في فاس سنة 672 هـ (1273 م) وتوفي فيها سنة 723 هـ ( 1323 م ). نحوي اشتهر برسالته " الآجرومية" وقد شرحها كثيرون. وله " فرائد المعاني في شرح حرز الأماتي " مجلدان منه الأول والثاني لعلهما بخطـّه في خزانة الرباط ( 146 أوقاف ) " ويعرف بشرح الشاطبية . وله مصنفات أخرى وأراجيز. وقال ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب ( ج6 ص 62 ) : أبو عبدالله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي النحْـوي المشهور بابن آجــُّروم ( بفتح الهمزة الممدودة وضم الجيم والراء المشددة ) ومعناه بلغة البربر الفقير الصوفي. صاحب المقدمة المشهورة بالأجرومية. قال ابن مكتوم في تذكرته : نحوي مقرئ له معلومات من فرائض وحساب وأدب بارع، وله مصنفات وأراجيز. وقال غيره : المشهور بالبركة والصلاح، ويشهد لذلك عموم النفع بمقدمته. الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع . وأقسامه ثلاثة : اسم ، وفعل ، وحرف جاء لمعنى . فالاسم يعرف : بالخفض ، والتنوين ، ودخول الألف واللام ، وحروف الخفض وهي : من وإلى وعن وعلى وفي ورب والباء والكاف واللام وحروف القسم وهي : الواو والباء والتاء . والفعل يعرف بقد والسين و ( سوف ) وتاء التأنيث الساكنة . والحرف مالا يصلح معه دليل الاسم ولا دليل الفعل . الإعراب هو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً . وأقسامه أربعة : رفع ونصب وخفض وجزم فللأسماء من ذلك الرفع والنصب والخفض ولا جزم فيها وللأفعال من ذلك الرفع والنصب والجزم ولا خفض فيها . للرفع أربع علامات : الضمة والواو والألف والنون . فأما الضمة فتكون علامة للرفع في أربعة مواضع : الاسم المفرد وجمع التكسير وجمع المؤنث السالم والفعل المضارع الذي لم يتصل بآخره شيء . وأما الواو فتكون علامة للرفع في موضعين : في جمع المذكر السالم وفي الأسماء الخمسة وهي : أبوك وأخوك وحموك وفوك وذو مال . وأما الألف فتكون علامة للرفع في تثنية الأسماء خاصة . وأما النون فتكون علامة للرفع في الفعل المضارع إذا اتصل به ضمير التثنية أو ضمير جمع أو ضمير المؤنثة المخاطبة . وللنصب خمس علامات : الفتحة والألف والكسرة والياء وحذف النون . فأما الفتحة فتكون علامة للنصب في ثلاثة مواضع : في الاسم المفرد وجمع التكسير والفعل المضارع إذا دخل عليه ناصب ولم يتصل بآخره شيء . وأما الألف فتكون علامة للنصب في الأسماء الخمسة نحو : رأيت أباك وأخاك وما أشبه ذلك . وأما الكسرة فتكون علامة للنصب في جمع المؤنث السالم . وأما الياء فتكون علامة للنصب في التثنية والجمع . وأما حذف النون فيكون علامة للنصب في الأفعال الخمسة التي رفعها بثبوت النون . وللخفض ثلاث علامات : الكسرة والياء والفتحة . فأما الكسرة فتكون علامة للخفض في ثلاثة مواضع : في الاسم المفرد المنصرف وجمع التكسير المنصرف وجمع المؤنث السالم . وأما الياء فتكون علامة للخفض في ثلاثة مواضع : في الأسماء الخمسة وفي التثنية والجمع . وأما الفتحة فتكون علامة للخفض في الاسم الذي لا ينصرف . وللجزم علامتان : السكون والحذف . فأما السكون فيكون علامة للجزم في الفعل المضارع الصحيح الآخر . وأما الحذف فيكون علامة للجزم في الفعل المضارع المعتل الآخر وفي الأفعال الخمسة التي رفعها بثبات النون . ( فصل ) المعربات قسمان : قسم يعرب بالحركات وقسم يعرب بالحروف . فالذي يعرب بالحركات أربعة أشياء : الاسم المفرد وجمع التكسير وجمع المؤنث السالم والفعل المضارع الذي لم يتصل بآخره شيء . وكلها ترفع بالضمة وتنصب بالفتحة وتخفض بالكسرة وتجزم بالسكون وخرج عن ذلك ثلاثة أشياء : جمع المؤنث السالم ينصب بالكسرة والاسم الذي لا ينصرف يخفض بالفتحة والفعل المضارع المعتل الآخر يجزم بحذف آخره . والذي يعرب بالحروف أربعة أنواع : التثنية ، وجمع المذكر السالم ، والأسماء الخمسة ، والأفعال الخمسة ،وهي : يفعلان ، وتفعلان ، ويفعلون ، وتفعلون ، وتفعلين . فأما التثنية فترفع بالألف وتنصب وتخفض بالياء . وأما جمع المذكر السالم فيرفع بالواو وينصب ويخفض بالياء . وأما الأسماء الخمسة فترفع بالواو وتنصب بالألف وتخفض بالياء . وأما الأفعال الخمسة فترفع بالنون وتجزم بحذفها . الأفعال ثلاثة : ماضٍ ومضارع وأمر نحو : ضرب ويضرب واضرب . فالماضي مفتوح الآخر أبداً . والأمر مجزوم أبداً . والمضارع ما كان في أوله إحدى الزوائد الأربع التي يجمعها قولك ( أنيت ) وهو مرفوع أبداً حتى يدخل عليه ناصب أو جازم . فالنواصب عشرة وهي : أنْ و لن و إذن وكي و لام كي و لام الجحود و حتى و الجواب بالفاء و الواو و أو . والجوازم ثمانية عشر وهي : لم ، ولما ، و ألمْ ، وألمَّا ، ولام الأمر والدعاء ، و ( لا ) في النهي والدعاء ، وإن ، وما ومهما ، وإذ ، وإذما ، وأي ، ومتى ، وأين ، وأيان ، وأنَّى ، وحيثما ، وكيفما ، وإذاً في الشعر خاصة . المرفوعات سبعة وهي : الفاعل ، والمفعول الذي لم يسم فاعله ، والمبتدأ ، وخبره واسم كان وأخواتها وخبر إن وأخواتها والتابع للمرفوع وهو أربعة أشياء : النعت والعطف والتوكيد والبدل . باب الفاعل الفاعل هو : الاسم المرفوع المذكور قبله فعله . وهو على قسمين : ظاهر ومضمر . فالظاهر نحو قولك : قام زيد ويقوم زيد وقام الزيدان ويقوم الزيدان وقام الزيدون ويقوم الزيدون وقام الرجال ويقوم الرجال وقامت هند ، وتقوم هند ، وقامت الهندان ، وتقوم الهندان ، وقامت الهندات ، وتقوم الهندات ، وتقوم الهنود ، وقام أخوك ، ويقوم أخوك ، وقام غلامي ، ويقوم غلامي ، وام أشبه ذلك . والمضمر اثنا عشر ، نحو قولك : (( ضربت ، وضربنا ، وضربتَ ، وضربتِ ، وضربتما وضربتم ، وضربتن ، وضرب ، وضربتْ ، وضربا ، وضربوا ، وضربن )) وهو : الاسم ،المرفوع ،الذي لم يذكر معه فاعله. فإن كان الفعل ماضيا ضم أوله وكسر ما قبل آخره ،وإن كان مضارعا ضم أوله وفتح ما قبل آخره . وهو قسمين : ظاهر ،ومضمر. فالظاهر نحو قولك (ضرب زيد)و(يضرب زيد)و(أكرم عمرو)و(يكرم عمرو) . والمضمر نحو قولك (ضربت) وضربنا ، وضربت ، وضربت ، وضربتما ، وضربتم ، وضربتن ، وضرب ، وضربت ، وضربا ، وضربوا ، وضربن . المبتدأ : هو الاسم المرفوع العاري عن العوامل اللفظية . و الخبر : هو الاسم المرفوع المسند إليه, نحو قولك ((زيد قائمٌ )) و ((الزيدان قائمان)) و ((الزيدون قائمون )) و المبتدأ قسمان : ظاهر و مضمر . فالظاهر ما تقدم ذكره . و المضمر اثنا عشر , وهي : أنا , ونحن ، وأنت , وأنتِ , وأنتما , وأنتم , وأنتن , وهو , وهي , وهما , وهم , وهن , نحو قولك (( أنا قائم )) و ((نحن قائمون )) وما أشبه ذلك . و الخبر قسمان :مفرد ؛ و غير مفرد . فالمفرد نحو (( زيد قائم )) . وغير المفرد أربعة أشياء : الجار و المجرور , و الظرف , و الفعل مع فاعله , و المبتدأ مع خبره , نحو قولك : ((زيد في الدار , وزيد عندك , وزيد قام أبوه , و زيد جاريته ذاهبة )) وهي ثلاثة أشياء : كان و أخواتها , و إن وأخواتها , وظننت و أخواتها . فأما كان و أخواتها , فإنها ترفع الاسم , وتنصب الخبر , وهي : كان , و أمسى , و أضحى , و ظل , و بات , و صار , و ليس , و مازال , و ما انفك , و ما فتئ , و ما برح , و ما دام , و ما تصرف منها نحو : كان , و يكون , و كن , و أصبح , و يصبح , و أصبح , تقول : ((كان زيد قائماً , و ليس عمر شاخصا )) و ما أشبه ذلك . أما إن و أخواتها فإنها تنصب الاسم و ترفع الخبر , وهي إن،وأن ،ولكن ، وكأن ، وليت ، ولعل ،تقول :إن زيدا قائم ، وليت عمرا شاخص ، وما أشبه ذلك ، ومعنى إن وأن للتوكيد ، ولكن للاستدراك ، وكأن للتشبيه ، وليت للتمني ، ولعل للترجي والتوقع. وأما ظننت وأخواتها فإنها تنصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان لها , وهي : ظننت , وحسبت , وخلت , وزعمت , ورأيت , وعلمت , ووجدت , واتخذت , وجعلت , وسمعت ؛ تقول : ظننت زيداً قائما , ورأيت عمراً شاخصا , وما أشبه ذلك . النعت : تابع للمنعوت في رفعه و نصبه و خفضه , وتعريفه وتنكيره ؛ قام زيد العاقل , ورأيت زيدا العاقل , ومررت بزيد العاقل . و المعرفة خمسة أشياء : الاسم المضمر نحو : أنا و أنت , و الاسم العلم نحو : زيد و مكة , و الاسم المبهم نحو : هذا وهذه وهؤلاء والاسم الذي فيه الألف واللام نحو : الرجل والغلام , وما أضيف إلى واحد من هذه الأربعة . والنكرة : كل اسم شائع في جنسه لا يختص به واحد دون آخر ,وتقريبه : كل ما صلح دخول الألف و اللام عليه , نحو الرجل و الفرس . و حروف العطف عشرة , وهي : الواو , والفاء , وثم , وأو , وأم , وإما ، وبل , ولا ,ولكن , وحتى في بعض المواضع . فإن عطفت على مرفوع رفعت , أو على منصوب نصبت , أو على مخفوض خفضت , أو على مجزوم جزمت , تقول : ((قام زيد وعمرو , ورأيت زيدا و عمرا , ومررت بزيد وعمرو , وزيد لم يقم ولم يقعد )) . التوكيد : (( تابع للمؤكد في رفعه ونصبه وخفضه وتعريفه وتنكيره )) ويكون بألفاظ معلومة . وهي : النفس , والعين , وكل , وأجمع , وتوابع أجمع , وهي : أكتع , وأبتع , وأبصع , تقول : قام زيد نفسه , ورأيت القوم كلهم , ومررت بالقوم أجمعين . إذا أبدل اسم أو فعل من فعل تبعه في جميع إعرابه ز وهو على أربعة أقسام : بدل الشيء من الشيء , وبدل البعض من الكل , وبدل الاشتمال , وبدل الغلط , نحو قولك : ((قام زيد أخوك ,وأكلت الرغيف ثلثه , ونفعني زيد علمه , ورأيت زيداً الفرس )) , أردت أن تقول الفرس فغلطت فأبدلت زيداً منه . المنصوبات خمسة عشر : وهي المفعول به والمصدر وظرف المكان والزمان والحال والتمييز والمستثنى واسم لا والمنادى والمفعول من أجله والمفعول معه وخبر كان وأخواتها واسم إن وأخواتها . والتابع للمنصوب وهو أربعة أشياء : النعت والعطف والتوكيد والبدل . وهو : الاسم المنصوب الذي يقع عليه الفعل نحو قولك : ضربت زيداً وركبت الفرس . وهو قسمان : ظاهر ومضمر . فالظاهر ما تقدم ذكره ، والمضمر قسمان : متصل ومنفصل . فالمتصل اثنا عشر وهي : ضربني وضربنا وضربك وضربكما وضربكم وضربكن وضربه وضربها وضربهما وضربهم وضربهن . والمنفصل اثنا عشر وهي : إياي وإيانا وإياك وإياكما وإياكم وإياكن وإياه وإياها وإياهما وإياهم وإياهن . المصدر هو : الاسم المنصوب الذي يجئ ثالثا في تصريف الفعل نحو : ضرب يضرب ضربا. وهو قسمان : لفظي ومعنوي فإن وافق لفظه لفظ فعله فهو لفظي نحو : قتلته قتلا , وإن وافق معنى فعله دون لفظه فهو معنوي نحو : جلست قعوداً , وقمت وقوفاً , وما أشبه ذلك . ظرف الزمان هو : اسم الزمان المنصوب بتقدير (( في )) نحو اليوم والليلة وغدوة وبكرة وسحرا وغدا وعتمة وصباحا ومساء وأبدا وأمدا وحينما .وما أشبه ذلك . وظرف المكان هو : اسم المكان المنصوب بتقدير (( في )) نحو : أمام وخلف وقدّام ووراء وفوق وتحت وعند وإزاء وحذاء وتلقاء وثم وهنا . وما أشبه ذلك . الحال هو : الاسم المنصوب المفسر لما أنبهم من الهيئات نحو : (( جاء زيد راكباً )) و (( ركبت الفرس مسرجاً )) و (( لقيت عبد الله راكبا )) وما أشبه ذلك . ولا يكون إلا نكرة ولا يكون إلا بعد تمام الكلام ولا يكون صاحبها إلا معرفة . التمييز هو : الاسم المنصوب المفسر لما أنبهم من الذوات نحو قولك : ((تصبب زيد عرقا )) و (( تفقأ بكر شحما )) و (( طاب محمد نفسا )) و (( اشتريت عشرين كتابا )) و (( ملكت تسعين نعجة )) و (( زيد أكرم منك أبا )) و (( أجمل منك وجها )) . ولا يكون إلا نكرة ولا يكون إلا بعد تمام الكلام . وحرف الاستثناء ثمانية وهي : إلا وغير وسِوى وسُوى وسواء وخلا وعدا وحاشا . فالمستثنى بإلا ينصب إذا كان الكلام تاما موجبا نحو : (( قال القوم إلا زيدا )) و (( خرج الناس إلا عمرا )) وإن كان الكلام منفيا تاما جاز فيه البدل و النصب على الاستثناء نحو : (( ما قام القوم إلا زيدٌ )) و (( إلا زيدا )) وإن كان الكلام ناقصا كان على حسب العوامل نحو : ((ما قام إلا زيدٌ )) و (( ما ضربت إلا زيداً )) و (( ما مررت إلا بزيد )). والمستثنى بسِوى وسُوى وسواء وغير مجرور لاغير . والمستثنى بخلا وعدا وحاشا يجوز نصبه وجره نحو : (( قام القوم خلا زيداً , وزيد )) و (( عدا عمرا و عمرو )) و ((حاشا بكراً و بكرٍ )) . إِعلم أن (( لا )) تنصب النكرات بغير تنوين إذا باشرت النكرة ولم تتكرر (( لا )) نحو : (( لا رجل في الدار )) . فإن لم تباشرها وجب الرفع ووجب تكرار (( لا )) نحو : (( لا في الدار رجلٌ ولا امرأةٌ )) فإن تكررت جاز إعمالها وجاز إلغاؤها فإن شئت قلت : (( لا رجل في الدار ولا امرأةً )) وإن شئت قلت : (( لا رجل في الدار ولا امرأةٌ )) . المنادى خمسة أنواع : المفرد العلم والنكرة المقصودة والنكرة غير المقصودة والمضاف والتشبيه بالمضاف . فإما المفرد العلم و النكرة المقصودة فيبنيان على الضم من غير تنوين نحو (( يا زيد )) و (( يا جل )) والثلاثة الباقية منصوبة لاغير . وهو الاسم المنصوب الذي يذكر بيانا لسبب وقوع الفعل نحو قولك (( قام زيدٌ إجلالاً لعمروٍ )) و (( قصدتك ابتغاء معروفك )) . وهو : الاسم المنصوب الذي يذكر لبيان من فعل معه الفعل نحو قولك : ((جاء الأمير والجيش )) و (( استوى الماء والخشبة )) . وأما خبر (( كان )) وأخواتها واسم (( إن )) وأخواتها فقد تقدم ذكرهما في المرفعات والتوابع ؛ فقد تقدمت هناك . المخفوظات ثلاثة أنواع : مخفوض بالحرف ومخفوض بالإضافة وتابع للمخفوض . فأما المخفوض بالحرف فهو : ما يخفض بمن وإلى وعن وعلى وفي وربّ والباء والكاف واللام وحروف القسم وهي : الواو والباء والتاء أو بواو ربَّ وبمذْ ومنذُ . وأما ما يخفض بالإضافة فنحو قولك : ما يقدر باللام وما يقدر بمن ؛ فالذي يقدر باللام نحو (( غلام زيد ))والذي يقدر بمن نحو (( ثوب خزّ ٍ )) و ((باب ساجٍ )) و (( خاتم حديدٍ )) . تم بحمد الله ابن آجـروم
أنواع الكلام
باب الإعراب
باب معرفة علامات الإعراب
علامات النصب
علامات الخفض
علامتا الجزم
المعربات
المعربات بالحركات
المعربات بالحروف
باب الأفعال
باب مرفوعات الأسماء
باب المفعول الذي لم يسم فاعله
باب المبتدأ والخبر
باب العوامل الداخلة على المبتدأ و الخبر
باب النعت
باب العطف
باب التوكيد
باب البدل
باب منصوبات الأسماء
باب المفعول به
باب المصدر
باب المفعول المطلق
باب ظرف الزمان و ظرف المكان
باب الحال
باب التمييز
باب الاستثناء
باب لا
باب المنادى
باب المفعول من أجله
باب المفعول معه
باب المخفوظات من الأسماء
فن المقالة عناصرها ـ أنواعها المقدمة: تُعد الحياة في البحر مسرفة إسرافاً أبعد من كل خيال ، سواءً في وفرتها ، أو تنوُّعها ، أو قِدمها ، أو غرابتها ، أو جمالها ، أو شراستها بغير تعقل ، وبما ليس له نظير آخر في الطبيعة ، وتتراوح الكائنات البحرية من ملايين بلايين الكائنات الميكروئية ، التي تجوب البحر في المياه الزرق ، إلى حيتان المحيط المتجمد الجنوبي ، الزرق الذي يبلغ طول الواحد منها ثلاثين متراً ، ويزن مائة وثلاثين طناً ، وتشتمل هذه الكائنات على أجمل الأنواع ، التي لم تجد الطبيعة بمثلها ، كتلك الأسماك الرائعة الفضية ، وتلك الحيوانات التي تتفتح كالزهور ، وكتلك الشعب المرجانية المتلألئة ، وكتلك الديدان التي يبلغ طولها سبعة وعشرين متراً وكتلك الأسماك التي تتلون بأحد ثمانية ألوان ، فإذا وقفنا عند أكبر هذه الكائنات وهو الحوت ، فإنه يحتاج إلى أربعة أطنان من السمك ، تدخل في معدته حتى يشعر بالشبع ، ويحتاج وليده إلى ثلاثمائة كيلو من الحليب في الرضعة الواحدة . ويتدفق من جسم الحوت في أثناء صيده ثمانية أطنان من الدم ، وفيه خمسة وعشرون طناً من الدهن ، وخمسون طناً من اللحم وعشرون طناً من العظام ، وتزن أعضاؤه الداخلية ثلاثة أطنان ، ولسانه طنين ونصف ويستخرج منه ما يزيد على مائة وعشرين برميلاً من الزيت ، وقد استطاع حوت أن يجر سفينة ثمانية ساعات ونصف ، بسرعة خمس عقد في الساعة ، والسفينة تُعمِل محركاتها بأقصى اتجاه معاكس لسيره . هذه فقرات من مقالة علمية عن الكائنات البحرية ، مأخوذة من مجموعة " لايف " العلمية ، أردت أن استهل بها هذه المقال عن فن المقالة ، لتكون تجسيداً ومتكأً للأفكار النظرية المتعلقة بهذا الموضوع . **** تعريف المقالة : المقالة كما يعرفها أدمون جونسون ، فن من فنون الأدب ، وهي قطعة إنشائية ، ذات طول معتدل تُكتب نثراً ، وتُلِمُّ بالمظاهر الخارجية للموضوع بطريقة سهلةٍ سريعة ، ولا تعنى إلا بالناحية التي تمسُّ الكاتب عن قرب . والمقالة ـ بتعريف آخر ـ قطعة من النثر معتدلة الطول ، تعالج موضوعاً ما معالجة سريعة من وجهة نظر كاتبها ، وهي بنت الصحافة نشأت بنشأتها وازدهرت بازدهارها . كلمة " موضوعاً ما " في التعريف تعني أن المقالة من أكثر الفنون الأدبية استيعاباً وشمولاً لشتى الموضوعات ، فموضوعات كالتضخم النقدي ، وأساليب الإعلان والتخدير بالإبر ، لا يمكن أن تحملها أجنحة الشعر ، ولا حوادث القصة ، ولاحوار المسرحية ، والمقالة وحدها تتقبل مثل هذه الموضوعات ، وأية موضوعات أخرى وتجيد توضيحها وتحسن عرضها . وكلمة " معالجة سريعة " في التعريف تعني أن كاتب المقالة ، مازاد على أنه سجل تأملات ، أو تصورات أو مشاهدات تغلب عليها العفوية والسرعة ، فلو كانت المعالجة متأنية فجمعت الحقائق ، وفحصت وصنفت ، واعتمد على الإحصاء ، والتجربة والمتابعة ، لعُدَّ هذا العمل بحثاً علمياً ، وليس مقالة أدبية . فلو قرأت في مجلة علمية ، أن طيور البلاكبول ، تطير في الخريف إلى شاطئ المحيط الأطلسي ، ومن هناك تقوم برحلة جوية لا تصدق فوق البحار ، في اتجاه أمريكا الجنوبية ، مجتازة مسافة أربعة آلاف كيلو متر بلا توقف ، خلال ست وثمانين ساعة ، على ارتفاع يزيد على ستة آلاف متر ، لو قرأت هذه الفقرة لعرفت أن هذه الأسطر قد كلفت العلماء سنوات طويلة من الملاحظة ، والمتابعة ، فهذه فقرة من بحث علمي وليس مقالة أدبية . وكلمة من " من وجهة نظر كاتبها " تعني أن المقالة تعبِّر عن ذات كاتبها أكثر مما تُعبِّر عن موضوعها ؛ لأن كاتب المقالة يرى الأشياء من خلال ذاته ، وما يعمل فيها من مشاعر وانفعالات . استمعوا معي إلى أحد الكتاب ، يتحدث عن طائرة : " طائر صغير أحببته شهوراً طوالاً ، غرد لكآبتي فأطربها ، ناجى وحشتي فآنسها ، غنّى لقلبي فأرقصه ، ونادم وحدتي فملأها ألحاناً " . **** المقالة فن عصري : كُتب على غلاف أحدى المجلات ذات الطبعات الدولية ، أكثر من مائة مليون يقرؤون هذه المجلة ، في مائة وثمانين بلداً ، وبخمسة عشر لغة فما سر هذا الإقبال الشديد على مطالعة المقالات المنوعة في الصحف والمجلات ، وفي كل أقطار العالم ؟ . في هذا العصر الذي طغت فيه المادة على القيم ، ونما العقل على حساب القلب ، وتعقدت أنماط الحياة ، وكثرت متطلباتها ، واستهلك كسب الرزق ، معظم الوقت ، واختُصر كل شيء ، حتى اختصرت الشهور في ساعات والسنون في أيام ، وظهرت الحاجة ملحة إلى مطالعات سريعة خفيفة ، فتطلع الناس إلى الصحف والمجلات ، واستهوتهم الكتيبات ، والدوريات ، وكأن الناس أرادوا أن يختصروا البحر في قارورة ، والبستان في باقة ، وضياء الشمس في بارقة ، وهزيم الرعد في أغرودة ، وبحثوا عن فن أدبي يدور معهم أينما داروا ، ويرافقهم حيثما ساروا ، ويكون معهم في حلِّهم وترحالهم ، وأحزانهم وأفراحهم في لهوهم وجدِّهم ، يعبر عن نشاطهم العقلي ، وعن اضطرابهم النفسي كذلك اختصرت الكتب في مقالات ، فجاءت بلسماً شافياً لمرض العصر ودواءً لضيق الوقت ، فكانت المقالة من أوسع الفنون الأدبية انتشاراً ؛ لأنها أقلها تعقيداً وأشدها وضوحاً ، وأكثرها استيعاباً ، لشتى الموضوعات وأيسرها مرونة على الكاتب ، وأسهلها هضماً على القارئ . **** عناصر المقالة : المادة والأسلوب والخطة . فالمادة هي مجموعة الأفكار ، والاراء ، والحقائق ، والمعارف والنظريات ، والتأملات ، والتصورات ، والمشاهد ، والتجارب والأحاسيس ، والمشاعر ، والخبرات التي تنطوي عليها المقالة ، ويجب أن تكون المادة واضحة ، لالبس فيها ولا غموض ، وأن تكون صحيحة بعيدة عن التناقض ، بين المقدمات والنتائج ، فيها من العمق ما يجتذب القارئ ، وفيها من التركيز ما لا يجعل من قراءتها هدراً للوقت ، وفيها وفاء بالغرض ، بحيث لا يُصاب قارئها بخيبة أمل ، وأن يكون فيها من الطرافة والجدة بحيث تبتعد عن الهزيل من الراي ، والشائع من المعرفة والسوقي من الفكر ، وفيها من الإمتاع ، بحيث تكون مطالعتها ترويحاً للنفس ، وليس عبئاً عليها . إن مهمة الكاتب ليست في إضعاف النفوس ، بل في تحريك الرؤوس وكل كاتب لايثير في الناس رأياً ، أو فكراً ، أو مغزى يدفعهم إلى التطور ، أوالنهوض ، أو السمو ، على أنفسهم ، ولا يحرك فيهم غير المشاعر السطية العابثة ، ولا يقرُّ فيهم غير الاطمئنان الرخيص ، ولا يوحي إليهم إلا بالإحساس المبتذل ، ولا يمنحهم غير الراحة الفارغة ولا يغمرهم إلا في التسلية ، والملذات السخيفة التي لا تكوِّن فيهم شخصية ولا تثقف فيهم ذهناً ، ولا تربي فيهم رأياً ، لهو كاتب يقضي على نمو الشعب ، وتطور المجتمع . الأسلوب : وهو الصياغة اللغوية ، والأدبية لمادة المقالة ، أو هو القالب الأدبي الذي تصب فيه أفكارها ، ومع أن الكتَّاب تختلف أساليبهم ، بحسب تنوع ثقافاتهم ، وتباين أمزجتهم ، وتعدد طرائق تفكيرهم ، وتفاوتهم في قدراتهم التعبيرية ، وأساليبهم التصويرية ، ومع ذلك فلا بد من حدٍّ أدنى من الخصائص الأسلوبية ، حتى يصح انتماء المقالة إلى فنون الأدب . فلا بد في أسلوب المقالة من الوضوح لقصد الإفهام ، والقوة لقصد التأثير ، والجمال لقصد الإمتاع ، فالوضوح في التفكير ، يفضي إلى الوضوح في التعبير ، ومعرفة الفروق الدقيقة ، بين المترادفات ثم استعمال الكلمة ذات المعنى الدقيق في مكانها المناسب ، سبب من أسباب وضوح التعبير ودقته (لمح ـ لاح ـ حدَّج ـ حملق ـ شخص ـ رنا ـ استشف استشرف) ووضوح العلاقات ، وتحديدها في التراكيب سبب في وضوح التركيب ، ودقته ، فهناك فرق شاسع بين الصياغتين (يُسمح ببيع العلف لفلان ـ يسمح لفلان ببيع العلف ). والإكثار من الطباق يزيد المعنى وضوحاً ، وقديماً قالوا :(وبضدها تتميز الأشياء ) الحرُّ والقرُّ ، والجود والشحُّ ، والطيش والحلم واستخدام الصور عامة ، والصور البيانية خاصة ، يسهم في توضيح المعاني المجردة ، مثال ذلك : الأدب اليوم عصاً بيد الإنسانية ، بها تسير لامرود ، تكحل به عينها وهو نور براق ، يفتح الأبصار ، وليس حلية ساكنة بديعة تزين الصدور. **** والقوة في الأسلوب : والقوة في الأسلوب سبب في قوة التأثير ، فقد يسهم الأسلوب في إحداث القناعة ، لكن قوة الأسلوب تحدث "موقفاً " وتأتي قوة الأسلوب من حيوية الأفكار ، ودقتها ، ومتانة الجمل ، وروعتها ، وكذلك تسهم في قوة الأسلوب الكلمات الموحية ، والعبارات الغنية ، والصورة الرائعة والتقديم والتأخير ، والإيجاز والإطناب ، والخبر والإنشاء ، والتأكيد والإسناد ، والفصل والوصل . مثال ذلك : إذا أردنا أن نعيش سعداء حقاً فما علينا إلا أن نراقب القمح في نموه والأزهار في تفتحها ، ونستنشق النسيم العليل ، ولنقرأ ولنفكر ، ولنشارك تايلر في إحساسه ، إذ يقول :سلبني اللصوص ما سلبوا ولكنهم تركوا لي الشمس المشرقة ، والقمر المنير ، والحياة الفضية ، الأديم ، وزوجة مخلصة تسهر على مصالحي ، وتربية أطفالي ، ورفقاء يشدون أزري ، ويأخذون بيدي في كُربي ، فماذا سلبني اللصوص ، بعد ذلك ؟ .. لا شيء ، فهاهوذا ثغري باسم وقلبي ضاحك ، وضميري نقي طاهر . **** الجمال في الأسلوب : إذا كان الوضوح من أجل الإفهام ، والقوة من أجل التأثير ، فالجمال من أجل المتعة الأدبية الخالصة ، وحينما يملك الكاتب الذوق الأدبي المرهف والأذن الموسيقية ، والقدرات البيانية ، يستطيع أن يتحاشى الكلمات الخشنة والجمل المتنافرة ، والجرس الرتيب ، وحينما يوائم بين الألفاظ والمعاني ويستوحي من خياله الصورة المعبرة ، يكون أسلوبه جميلاً . مثال ذلك : البرج العاجي الخلقي هو السمو عن المطامع المادية ، والمآرب الشخصية فليس من حق مفكر اليوم أن ينأى بفكره عن معضلات زمانه ولكن من واجبه أن ينأى بخلقه عن مباذل عصره ، وسقطاته ، البرج العاجي عندي هو الصفاء الفكري ، والنقاء الخلقي ، وهو الصخرة التي ينبغي أن يعيش فوقها الكاتب مرتفعاً عن بحر الدنايا الذي يغمر أهل عصره ، لا خير عندي للمفكر الذي لا يعطي من شخصه مثلاً لكل شيء نبيل رفيع جميل . والعنصر الثالث من عناصر المقالة الخطة ويسميها بعضهم الأسلوب الخفي وهي المنهج العقلي الذي تسير عليه المقالة ، فإذا اجتمعت للكاتب أفكارٌ وآراء يريد بسطها للقراء ، وكان له من الأسلوب ما يستطيع أن تشرق فيه معانيه ، وجب ألا يهجم على الموضوع من غير أن يهيء الخطة التي يدفع في سبيلها موضوعه . والخطة تتألف من مقدمة ، وعرض ، وخاتمة ، والمقدمة هي المدخل وتمهيد لعرض آراء الكاتب ، ويجب أن تكون أفكار المقدمة بديهية مسلماً بها ، ولا تحتاج إلى برهان ، وأن تكون شديدة الاتصال بالموضوع وأن تكون موجزة ، ومركزة ومشرقة . وأما العرض ، فهو صلب الموضوع ، وهو الأصل في المقالة ، وفيه تعرض أفكار الكاتب عرضاً صحيحاً ، وافياً متوازناً ، مترابطاً متسلسلاً ويُستحسن أن يمهد الكاتب لكل فكرة ، ويربطها بسابقتها ، ويذكر أهميتها ويشرحها ، ويعللها ، ويوازنها مع غيرها ، ويذكر أصلها وتطورها ويدعمها بشاهد أدبي ، أو تاريخي ، ويُفضل ان تُعرض كل فكرة رئيسة في فقرة مستقلة . والخاتمة تلخص النتائج التي توصل إليها الكاتب في العرض ، ويجب أن تكون واضحة ، صريحة ، حازمة . ومما يتصل بالحديث عن عناصر المقالة الحديث عن أنواعها : فمن حيث الموضوع هناك المقالة الاجتماعية ، والسياسية ، ومن حيث الأسلوب ، هناك المقالة العلمية ، والأدبية ، ومن حيث الطول ، هناك المقالة المطولة ، والخاطرة ، ومن حيث اللبوس الفني ، هناك المقالة القصصية ، والتمثيلية ، ومقالة الرحلات ، ومقالة الرسالة ، ومن حيث موقف الكاتب هناك الذاتية ، والموضوعية ، ومن حيث طرق نقلها إلى الجمهور ، هناك المقالة المقروءة ، والمسموعة ، والمنظورة . **** أنواع المقالة : المقالة العلمية : موضوعاتها علمية ، وأهدافها تبسيط الحقائق العلمية ، وتيسير نقلها إلى الجمهور ، يقول قدري طوقان " الشمس أقرب نجم إلينا ، وتقدر المسافة بثلاثة وتسعين مليوناً من الأميال ، فلو سار قطار إليها بسرعة خمسين ميلاً في الساعة لوصلها في مائتين وعشرين سنة ، والأمواج اللاسلكية ، التي تدور حول الأرض سبع مرات في ثانية واحدة ، هذه الأمواج لو أرسلت إلى الشمس لوصلها في ثماني دقائق وربع ، ولو أرسلت إلى أقرب نجم إلينا بعد الشمس لوصلته في أربع سنين ونصف " . لعلكم لاحظتم أسلوب المقالة العملية المباشر الذي يعتمد على الدقة في استخدام الألفاظ ، والسهولة في صوغ العبارات ، والبعد عن التأنق والزينة ولا تلبس المقالة العلمية من الأدب إلا أرق ثوب . المقالة الأدبية : وهي قطعة من الشعر المنثور ، تشف عن ذات الأديب ، وتعبر عن مشاعره ، وتنطلق مع خياله ، وترسم ملامح شخصيته ، أسلوبها أدبي محض ، ففيها ماشئت من عواطف جياشة ، وخيال عريض ، وصور مترفة وأسلوب رشيق ، يقول عبد العزيز البشري متحدثاً عن سيد درويش : " فما إن لحن سيد درويش فكان المغني شديداً إلا قوي لحنه ، ودعم ركنه وشدَّ بالصنعة متنه ، فسمعت له مثل قعقعة النبال ، إذا استعر القتال ، أو مثل زئير الآساد ، إذا تحفزت للصيال ، وإذا جنح الكلام إلى اللين ، كان لحنه أرق من نسج الطيف ، وألطف من النسمة في سحرة الصيف . الخاطرة : مقالة قصيرة جداً تحتل بعض الزوايا في الصحف ، والمجلات وتعتمد على أسلوب الخطف في معالجة الموضوعات ، وتتميز بالطابع الذاتي وتشيع فيها السخرية ، ولها مذاق عذب في نفس القارئ ، وهي أشبه شيء بالرسم الكاريكاتوري. المصدر من احد المواقع ولا أعرف كاتبه *****
] قطر الندى وبل الصدى [
(0) تعليقات

مرحبا
(0) تعليقات
استمع الي أجزاء من القران الكريم بصوت الحذيفي
(0) تعليقات
نجيب محفوظ: عميد الرواية العربية المتوج بجائزة نوبل
احمد دحبور
كان هذا الرجل رواية في حياته كما هي شخصياته في أدبه، فقد ظل أربعين سنة او تزيد، مضرب المثل في دقة مواعيده، حتى صدق فيه قول صديقه المرحوم محمد عفيفي انك تستطيع ان تضبط ساعتك على مواعيد ظهور نجيب محفوظ ومغادرته. وقد تخرج باجازة الفلسفة عام 1934 من كلية الآداب في جامعة القاهرة. وكان قد أصدر قبل عامين من هذا التاريخ كتابه الأول "مصر القديمة"، وهو ليس مجموعة قصصية كما يظن الكثيرون خطأ، بل كتاب ثقافي شبه سياحي من تأليف جيمس بيكي، وقد نقله الاستاذ نجيب الى العربية وهو في الحادية والعشرين من العمر، ولم يطبعه مرة ثانية الا عام 1988 عندما عثر الكاتب الفلسطيني المرحوم احمد عمر شاهين على نسخة منه، مصادفة، عند سور الأزبكية..
عمل نجيب محفوظ سكرتيرا برلمانيا لوزير الأوقاف حتى سنة 1950. فكان كما يقول تلميذه وصديقه محمد جبريل: "يخرج من بيته - 10 شارع رضوان شكري بالعباسية، في موعد محدد. يمشي على قدميه، ولا يأخذ المواصلات الا نادرا، حتى يصل الى ديوان وزارة الاوقاف في الثامنة تماما، يظل في مكتبه الى الثانية، فيعود من الطريق نفسه في اطار نظام صارم يحرص عليه، فهو يقرأ ويكتب ويشاهد التلفزيون وينام ويستيقظ في مواعيد محددة، وقد ظل موظفا حكوميا حتى أحيل الى المعاش.."، وكان قد التحق بوزارة الثقافية منذ ان كان اسمها وزارة الارشاد القومي، وانضم الى هيئة تحرير مؤسسة الأهرام عام 1971.
افتتح نجيب محفوظ ملفه الابداعي بمجموعة همس الجنون عام 1938، ليباشر ثلاثيته الفرعونية بعد ذلك عام 1939 وهي >عبث الأقدار - راد وبيس - كفاح طيبة". ثم توالت اعماله الادبية، الا من انقطاع عن النشر منذ 1949 عندما أصدر روايته "بداية ونهاية" حتى عام 1956 عندما استأنف نشاطه فنشر الرواية الاولى من ثلاثيته الشهيرة "بين القصرين - قصر الشوق – السكرية" وتواصلت كتبه بلا انقطاع حتى وصلت عام 1988 الى ثمانية واربعين. وفي ذلك العام تهلل الوطن العربي على وقع النبأ السعيد، فقد أعلنت اللجنة الملكية السويدية نبأ فوز كاتبنا الكبير بجائزة نوبل للآداب، ليكون بذلك اول عربي، فضلا عن انه المسلم الوحيد الذي يفوز بهذه الجائزة الأدبية الاولى على مستوى العالم.
وقد واصل نجيب محفوظ انتاجه، فأصدر رواية "قشتمر" ومجموعة "الفجر الكاذب" و"اصداء السيرة الذاتية" ومجموعة "القرار الأخير" وقد جمع له اصدقاؤه ومريدوه من بين قصصه المبكرة التي لم تظهر في كتاب مجموعة بعنوان "فتوة العطوف"، ليبلغ عدد كتبه ثلاثة وخمسين بين رواية ومجموعة قصصية، الا اننا نستطيع ان نفرد منها "مصر القديمة" الذي هو رواية مترجمة كما اشرت، و"امام العرش" الذي لم يكن الا قراءة تاريخية على طريقة نجيب محفوظ وصفها بأنها حوار بين الحكام، ويقصد حكام مصر عبر التاريخ، و"اصداء السيرة الذاتية" الذي لم يكن سيرة ذاتية كما ظن بعضهم خطأ بل هو شذرات فلسفية وتأملات فكرية. وقد نستطيع ان نرفع رقم كتب الاستاذ نجيب الى اربعة وخمسين اذا اضفنا الى نتاجه مجموعة "صدى النسيان" التي اختار لها محمد جبريل هذا العنوان، ليرتفع الرقم الى خمسة وخمسين اذا اعتبرنا كتاب "نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته" من اعماله الأدبية وهو كتاب أعده رجاء النقاش من حوارات طويلة أجراها مع أديبنا الكبير بلغت صفحاتها ستين وثلاثمئة صفحة من القطع الكبير. وهو ليس الكتاب الوحيد المكرس لحوارات نجيب محفوظ ولكنه الأشمل، فقد نقرأ كتابا بعنوان "ثرثرة مع نجيب محفوظ< وهو حوارات صحفية في الشأن العام أجرتها معه سهام ذهني.
وليس هذا كل انتاج أديبنا العالمي، فقد كتب كثيرا للسينما مما سنفرد له فقرة خاصة.
تعرض نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال عام 1994 من شاب متعصب رداً على روايته "اولاد حارتنا" التي نشرها على حلقات في جريدة الأهرام قبل زهاء نصف قرن ونشرتها دار الآداب، لأول مرة في كتاب مستقل، عام 1973. وكان لنجيب محفوظ شلة من الاصدقاء الحميمين يطلقون على أنفسهم اسم الحرافيش، وبعد محاولة الاغتيال كادت تقتصر سهراته على هؤلاء الأصدقاء، الا ما يرتبه له مريدوه من مواعيد يوافق عليها.
من الحرافيش كان الممثل المرحوم احمد مظهر والمخرج توفيق صالح، ومن المحبين المريديين ظل جمال الغيطاني ويوسف القعيد، الروائيان المعروفان، يلازمانه حتى ايامه الأخيرة.
تزوج نجيب محفوظ عام 1954، من رفيقة عمره عطية الله، التي انجبت له أم كلثوم وفاطمة، واسمه الكامل نجيب محفوظ عبد العزيز ابراهيم احمد الباشا، فنجيب محفوظ هو اسمه الاول المركب الذي كان يكتفي به، حتى تراءى لكثيرين ان اسم محفوظ كنية له، بينما هو في الحقيقة جزء من اسمه الصغير او الأول.
ننحي رواية "مصر القديمة" جانبا، فهي ليست من تأليفه، وان كانت الكتاب الوحيد الذي أقدم على نقله الى العربية. ويلفتنا، في رواياته الاولى - وهي ثلاث، انها ذات صبغة تاريخية تدور احداثها في زمن الفراعنة، وقد عاد الى هذا الزمن فكتب رواية رابعة بعنوان "العائش في الحقيقة"، واذا كانت الروايات الثلاث الاولى صدرت تباعا بين 1939 و1944، فقد تأخرت الرواية الرابعة حتى صدرت عام 1985.
كان لدى نجيب محفوظ طموح أسرّ به لبعض جلسائه، في أن يؤرخ روائيا لمصر القديمة والجديدة على حد سواء، على غرار مشروع الكاتب الانكليزي سير وولتر سكوت. لكن نزعته الفلسفية التأملية - كما أعتقد - سببت لمشروعه حالة من الانزياح، فانعطف بعد الرواية الثالثة الى عالم "القاهرة الجديدة". وهذه النزعة نلمسها في روايته التاريخية الاولى >عبث الأقدار< عندما رصد مسيرة الفرعون الذي أراد ان يغالط النبوءة فيقتل من أخبره العرافون بأنه قاتله لا محالة، واذا بسعيه الى قتل غريمه يتسبب له بالموت قتلا على يد ذلك الغريم. وهو ما يفسر العنوان من حيث هو عبث الأقدار. واذا كان نجيب محفوظ قد اعطى الأقدار حقها في العبث، فهو لم يغفل عن أن الإنسان مسؤول عن أقداره، فلولا سعي الفرعون لما كان موت هذا الفرعون أكيدا. وهو ما قالته كلاسيكيات سابقة مثل مأساة اوديبوس.
اما الرواية التاريخية الثانية، رادوبيس، فهي خطوة مبكرة من الأديب العالمي على طريق الحداثة، عندما جعل الفرعون إنساناً قبل ان يكون صاحب الصورة المقدسة التي رسمها له الشعب، فقد أحب الغانية رادوبيس مضحيا بقداسته وهيبته الملكية. لتكون المفاجأة الدرامية عند امرأة الفرعون التي تفهمت ضعفه الانساني حتى انها غفرت له كل شيء، بما في ذلك طلبه القاسي الأخير ان يموت في حضن الغانية رادوبيس بدلا من القصر الملكي، وكان له ذلك.. إن ما فعله نجيب محفوظ هو ان فهم الانساني في الانسان واعطاه الغلبة على الصورة المقررة حتى لو كانت مقدسة، لأن البشر هم الذين يمنحون القداسة وهم الذين ينزعونها ولو ادى ذلك الى قتل الفرعون.
اما الرواية الثالثة، كفاح طيبة، فتسجل بالفخر والاعتزاز، فصلا من تاريخ مصر الكفاحي من أجل الاستقلال. وعندما نتذكر انه كتبها عام 1944، يظل في حسابنا ان قلمه كان ينبض بايقاع مصر التي استجمعت قواها للمطالبة بالاستقلال بعد ان تضعضع المحتلون البريطانيون في اعقاب الحرب العالمية الثانية.
وقد نتلكأ حتى نضيف رواية "العائش في الحقيقة" المكتوبة بعد واحد واربعين سنة من آخر رواية تاريخية لنجيب محفوظ. فهو في هذه الرواية يجمل عبث الأقدار، والتمرد، وأنسنة الفرعون، في ضوء الوعي الذي اكتسبه الكاتب الكبير بجهد أربعة عقود من المعرفة والتعمق في فهم المحيط والوجود.
نستطيع القول ان مشروع الرواية الواقعية قد ظهر في أدب نجيب محفوظ مباشرة بعد روايته التاريخية "كفاح طيبة – 1944" فقد اصدر في العام التالي رواية "القاهرة الجديدة" التي شدت الأنظار اليه بقوة. والطريف ان هذه الرواية قد أخذت اسم "القاهرة 30" عندما اخرجها للسينما صلاح ابو سيف. وهذا طبيعي ما دام ظهرها في السينما كان عام 19.
كان نجيب محفوظ يمقت الانتهازية ويعتبرها مساوية لبيع النفس. ومع ذلك لا نراه يتدخل في مصير محجوب عبد الدايم، بل يترك لاختيار هذا المأفون ان يصل به الى حيث يجب ان يصل. فالباشا قاسم فهمي يلم الفتاة المتسولة احسان شحاتة من الشارع ويزوجها من محجوب ليتمكن من زيارتها متى تسنح له الظروف. ومحجوب راض بذلك انطلاقا من ان الحياة في نظره لا تستحق اكثر من كلمة طظ.. وحين يكتشف ابو محجوب فضيحة ابنه يعتبره في عداد الأموات. وبالفعل كان الكاتب قد حكم بالموت الاجتماعي على هذا الانموذج البشري الطالع من قاع المجتمع، المتطلع الى الطبقة المتوسطة لكنه لم يحافظ على موقعه الاجتماعي الا مشوبا بالخزي محاطا بالعار.
سيختلف الأمر في رواية "خان الخليلي" التي يلوح فيها أحمد عاكف، ابن هذه الطبقة مضحيا لأخيه الذي يموت في شرخ الشباب، وتعبره الحرب العالمية الثانية كأنه غير موجود، ولسان حاله: "ملعون ابو الدنيا" يعادل من هذه الناحية شعار "طظ" الذي اطلقه محجوب عبد الدايم، مع فارق ان محجوبا يقدم تنازلات مهينا بينما قدم أحمد عاكف تضحية لم تلق ثوابها الطيب من الحياة..
اما رواية "زقاق المدق" فهي اول عمل لنجيب محفوظ يعج بالحياة، حيث نرى اخلاطا من البشر، تبدأ بالرجل التقي رضوان الحسيني ولا تنتهي بالمنكود زايطة صانع العاهات، وتغري المدرسة الطبيعية كاتبنا بتقديم شخصية المعلم كرشة الشاذ جنسي، فيما يتعامل ابنه مع الواقع بنفعية تتنافى مع القيم. اما عباس الحلو، الحلاق فهو الشاب الخائب الذي لا يعرف حتى كيف يفسد للحصول على حميدة، الفتاة الفقيرة الطموح التي تقع في شر أوهامها.. ولسوف تصبح رواية "زقاق المدق" دليل عمل لنجيب محفوظ في روايات له لاحقة من حيث تعدد النماذج البشرية المتناقضة..
وتبلغ هذه المرحلة - وما زلنا في عام 1949 - ذروتها برواية"بداية ونهاية" التي ترصد طموحا لا حد له عند حسنين الذي يدوس على القيم جميعها مقابل ان يصبح ضابطا، وفيما هو سكران بنشوة تحقيق حلمه يفاجئه الواقع بالقبض على شقيقته نفيسة في وكر دعارة، وكانت تمنحه المال الذي تحصل عليه من البغاء، ليكون اول رد فعل له امام هذه الفضيحة هو ان يسألها: هل عروفك؟.. بمعنى انه ظل حريصا على سمعته اكثر من الحرص على الشرف الحقيقي.. لقد كانت هذه الرواية محاكمة قاسية للطبقة الوسطى على تطلعاتها في ظل مجتمع عدم تكافؤ الفرص.
وفي هذا الزحام، يكتب نجيب محفوظ رواية >السراب< لتشكل خروجا على سياق مشروعه الواقعي النقدي، فهي رواية فرويدية اذا جاز التعبير، ولكن ما يربطها بغيرها هو واقع المدينة. فنجيب محفوظ هو روائي المدينة المصرية بامتياز. والقاهرة تحديدا. وهو ما سيتيح له ان يفجر معجزته الروائية في الثلاثية وما تلاها..
قد لا يعرف الكثيرون ان ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة - بين القصرين، قصر الشوك، السكرية - لم تكن ثلاثية في الأصل، بل كتبها دفعة واحدة، لكنه اضطر، لأسباب فنية، الى التنسيق مع صديقه الناشر، لاصدارها في ثلاث روايات كما ظهرت للجمهور خلال العامين 1956 و1957. فكان علينا ان نتعامل معها كما فرضت نفسها على الذائقة العربية بوصفها ثلاثية.
وفي هذا العمل الكبير يطالعنا السيد احمد عبد الجواد، التاجر المهيب الذي يحكم قبضته على اسرته، المكونة من زوجه المطيعة أمينة، وابنتيه خديجة وعائشة، وشقيقتهما فهمي وكمال، اما الأخ الثالث ياسين، وهو الأكبر، فهو أخ غير شقيق من أم طلقها سي السيد احمد عبد الجواد فانطلقت مزواجة لعوبا حتى ادركها الأجل.
وسي السيد يعيش حياتين متناقضتين. فهو الأب الصارم القاسي، لكن الكريم، الذي لا يقطع فرضا ولا يتأخر عن صيام. وهو، بين اصدقائه التجار، ذلك المتهتك السكير زير النساء. لم تمتنع امرأة عن سي السيد الا زنوبة، صبية الراقصة العالمية، فتزوجها ابنه ياسين الذي كان وريث أبيه في المجون. اما فهمي فهو الذي شق عصا الطاعة على أبيه واشترك في العمل الوطني ليستشهد برصاص الانكليز. ويجمع النقاد على ان شخصية كمال مشتقة من شخصية نجيب مفحوظ نفسه، في قلقه الفلسفي وحيرته الوجودية. وكان له صديق مسيحي هو رياض قلدس يجسد في صداقته وحدة عنصري الشعب المصري. اما عائشة فيحبطها ابوها برفض يد من تقدم لها خوفا من ان يكون قد أحبها. والحب ممنوع على البنات، لتفرض عليه صديقة شركسية للأسرة زواجها من ابن لها، وفي الطريق يتزوج ابنها الآخر من خديجة العاطلة عن الجمال. وتموت عائشة وأسرتها بالوباء، فيما تنجب خديجة زحمد الشيوعي وعبد المنعم الأخ المسلم، اما ياسين وزينب فينجبان رضوان الشاذ جنسيا.
وهكذا يجمل نجيب محفوظ في روايته متابعة ثلاثة اجيال من المصريين، بالنضال الوطني، بالبيئة المحافظة يقابلها التهتك، بالورع والشذوذ، بالمآسي والمسرّات، بالتقاليد والتمرد والتيارات الفكرية والسياسية المختلفة، فكأن الثلاثية هي ملحمة مصر الحديثة.
على ان لنجيب محفوظ ثلاثية ثانية، وإن لم يكن بينها رابط مباشر وهي "اللص والكلاب - السمان والخريف – الطريق" فاللص والكلاب ترصد اشكالية الانسان مع المجتمع، والسمان والخريف تتابع صراع المصري مع الوضع السياسي في ظل تحولات ما بعد الثورة عام 1952. والطريق هي قراءة لعلاقة الانسان مع الميتافيزيقا. ويجمع بين ابطال هذه الروايات انهم شخصيات مهزومة لا تصل في بحثها الا الى بصيص غامض قد يهتدي به عيسى الدباغ بطل السمان والخريف.
والواقع ان الكاتب قد جعل من الثلاثيتين مدخلا الى التنقيب عن خفايا الطبقة المتوسطة المصرية في ست عشرة رواية، هي "الشحاذ - ثرثرة فوق النيل - ميرامار - المرايا - الحب تحت المطر - الكرنك - قلب الليل - حضرة المحترم - عصر الحب - افراح القبة - ليالي ألف ليلة - الباقي من الزمن ساعة - رحلة ابن فطومة - يوم قتل الزعيم - حديث الصباح والمساء – قشتمر".
وكل رواية من هذا السجل الحافل - كما هو الأمر مع كل عمل لنجيب محفوظ - يستحق دراسة، بل دراسات مفصلة.
بين أعمال نجيب محفوظ، تقف رواية "اولاد حارتنا" ملحمة اليغورية تحاكي نشوء العالم حسب الرواية الدينية، من آدم الى الأنبياء موسى والمسيح ومحمد وصولا الى العلم بمستوييه الفلسفي المعرفي والتقني. فقد بنى الكاتب رؤية العالم من حجارة حارتنا، بمعنى انه استلهم التاريخ في ضوء تقاليدنا وثقافتنا وبعض تاريخنا، وجعل لكل نبي معادلاً موضوعياً يعبر عنه ويقتفي الحوادث المشهورة في حياته. فهذا آدم يحاكيه أدهم منذ الخطوة السماوية الى المعاناة على الأرض واقدام أحد ولديه على قتل شقيقه. ورفاعة يحاكي شخصية السيد المسيح، فيما تنطبع صورة قاسم بصورة النبي محمد. وكان موسى قد أخذ دوره في هذه الملحمة من خلال شخصية جبل. وقد اختلف النقاد على مغزى ظهور عرفة - ممثل العلم الحديث - مع موت الجبلاوي. فمنهم من اعتبر العلاقة مع الله هي علاقة ايمان وبحث، وليس الجبلاوي تجسيدا بل هو رمز للعلاقة التي استمرت لدى البشر في البحث عن كراسة عرفة. بينما أصر آخرون، وهم الكثرة، على أن في الجبلاوي تجسيدا يدفع بفكرة نجيب محفوظ الى الزندقة. وعلى أي حال فقد ختم الكاتب حياته مؤكدا ايمانه الذي عبر عنه غير مرة، ولا سيما في تلاوة آيات من سورة الرحمن على امتداد رواية ميرامار.
سيواصل نجيب محفوظ متابعة جدلية العالم من خلال الحارة بملحمة الحرافيش التي بناها على مبدأ الصراع بين الخير والشر، الاقوياء والضعفاء، من يملكون ومن لا يملكون، راصدا جوانب الضعف البشري وخضوع الانسان للنزوات الغريزية من غير ان ييأس من الجانب المضيء في البشر.
هذا ما يظهر ايضا في رواية "حكايات حارتنا" التي انتخب من خلالها شخصيات متنوعة، كما فعل في رواية المرايا، للتعبير عن طباع ومصالح وطبقات وأفكار مختلفة في الحياة.
ان جوهر حارتنا موجود في بقية اعمال نجيب محفوظ، لكن تقريب المسافة بين الفكرة المطلقة والمستوى المحلي، جاء استجابة لنزعة الكاتب الشعبية الشرقية.
حين حقق نجيب محفوظ شهرته الروائية الكاسحة، اوقع من حيث لا يدري ظلما بشهرة قصصه القصيرة، حتى ان كثيرين لا يعرفون ان هذا الكاتب الكبير قد ضرب رقما قياسيا في مجموعاته القصصية التي بلغت سبع عشرة مجموعة، وعندما نتذكر ان مجموعات زكريا تامر لا تتجاوز التسع، وهو الذي لم يكتب الا القصة القصيرة، فاننا ندرك ان ما قدمه نجيب محفوظ يشكل احراجا، حتى في العدد، لكل من كتب القصة القصيرة العربية. ومجموعات الاستاذ نجيب محفوظ هي "همس الجنون - دنيا الله - بيت سيىء السمعة - خمارة القط الأسود - تحت المظلة - حكاية بلا بداية ولا نهاية - شهر العسل - الجريمة - الحب فوق هضبة الهرم - الشيطان يعظ - رأيت فيما يرى النائم - التنظيم السري - صباح الورد - الفجر الكاذب - القرار الأخير - صدى النسيان - فتوة العطوف" هذا عدا القصص القديمة التي نشرت في بعض الدوريات ولم يجمعها الباحثون والمعنيون حتى الآن.
واللافت أن هذا الكاتب النوعي كان حساسا لصالح الجديد منذ البدايات. ففي مجموعته الاولى "همس الجنون" التي اصدرها عام 1938، نقف عند قصة الشاب الذي يرخي العنان لجنونه في الشارع احتجاجا على الثقافة التقليدية التي تعتبر الحياء والسلبية عين العقل. وفي هذه المجموعة تستيقظ المومياء الفرعونية لتخسف الارض بالمتغربين عن وطنهم المتعالين عليه.
اما مجموعته الثانية "دنيا الله" ففيها قصة زعبلاوي الشهيرة التي اعتبرها النقاد اولى خطوات نجيب محفوظ في متاهة البحث الميتافيزيقي.
وقد مرت قصة نجيب محفوظ القصيرة بأطوار مختلفة. فقد بدأت أشبه بالرواية المخلصة او المضغوطة من حيث كثافة الوقائع، بل ان بعض قصصه القصيرة المبكرة قد تحولت فيما بعد الى روايات، مثل قصة "القيء" التي سنجدها مفصلة في رواية "القاهرة الجديدة".
ثم كتب القصة الرمزية، من نوع "قسمتي ونصيبي" التي تسرد حكاية ولدين سياميين ولدا ملتصقين، فأعطاهما الأب هذين الاسمين الغريبين: قسمتي ونصيبي، ليكون أحدهما شريرا والآخر صالحا، وعندما يموت الشرير يظل ملتصقا بالصالح لأنه جزء عضوي منه، في اشارة الى ان الشر والخير يلازمان الانسان.
وكتب القصة الوجودية التي تختزل الزمن فترسلنا مع الطفل الى المدرسة الابتدائية ليعود الى البيت منهكا فنكتشف انه اصبح في >نصف يوم< - وهذا عنوان القصة - شيخا عجوزا.
وأخطر ما في قصص نجيب محفوظ القصيرة، اضافة الى توزعها بين الواقعي والرمزي والتعبيري والانطباعي والطبيعي، انها متعددة الموضوعات حتى لتعجب من قدرة الكاتب الفذة على استخلاص القصة من أي شيء. وهو في قصصه جميعا يظل ابن البلد، حارس البيئة الشعبية، المؤمن بالعدل والشرف، المندد بالاستغلال والغدر والخيانة. وذلك بأسلوب شفاف يسمي الأشياء بأسمائها ولا يقع في السطحية او التفاؤل الساذج.
اصبح معروفا ان اسهام نجيب محفوظ في العمل السينمائي، يفوق اسهام اي اديب عربي، عددا ونوعا. ومن قرأ كتيب هاشم النحاس "نجيب محفوظ في السينما المصرية"، الصادر عام 1989 عن المركز القومي للسينما في القاهرة، يفاجأ بحجم الحضور النوعي لأديبنا الكبير في هذا المجال، حيث يؤكد الاستاذ النحاس، بالوثيقة والعنوان، ان اديبنا الكبير هو اول اديب عربي يكتب للسينما، فقد بدأ عام 1945 عندما كتب سيناريو فيلم "مغامرات عنتر وعبلة" الذي اخرجه الراحل صلاح ابو سيف. ونجيب محفوظ هو أكثر الأدباء العرب أعمالا في السينما، ويحصي له الاستاذ النحاس تسعة وخمسين فيلما حتى عام 1988، وأظن ان العدد أكبر من ذلك، فهو لم يذكر، مثلا، في قائمة اعمال نجيب محفوظ السينمائية، فيلم "دنيا الله" الذي اخرجه ابراهيم الصحن في ثلاثية شملت قصتين ليوسف ادريس ويحيى حقي.
ونجيب محفوظ هو الأديب الوحيد الذي ارتبطت وظيفته مباشرة بالسينما، منذ عام 1959 حتى احالته على المعاش عام 1971. وتحتل الأفلام المأخوذة عن اعماله او التي كتب لها السيناريو او شارك فيها مكانة خاصة في تاريخ السينما، وقد احصى سعد الدين توفيق - في كتابه قصة السينما في مصر - سبعة عشر فيلما من اعمال نجيب محفوظ، او له علاقة بها، بين اهم مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية.
واسهامات نجيب محفوظ السينمائية، كانت إما من روايات وقصص منشورة له من قبل. وإما سيناريوهات كتبها منفردا او بمشاركة آخرين. والطريف انه لم يقم شخصيا بكتابة سيناريو لأي من رواياته او قصصه المنشورة، بل كتبها له آخرون، مثل لطفي الخولي الذي كتب سيناريو فيلم "القاهرة 30" المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ "القاهرة الجديدة". ولكن أديبنا الكبير قد أعد بعض روايات زملائه الآداب للسينما، كما عمل، مثلا، في رواية احسان عبد القدوس "انا حرة".
ويمكن القول بلا مبالغة ان الافلام المأخوذة عن ملحمة الحرافيش وحدها - وهي من أهم اعمال نجيب محفوظ الأدبية - قد وفرت نكهة خاصة للسينما العربية وأثرت في اسلوب المخرجين الشباب. فمن هذه الملحمة وحدها تم تقديم ستة أفلام هي "الحرافيش - الجوع - شهد الملكة - المطارد - التوت والنبوت - اصدقاء الشيطان" بل ان بعض افلامه قد أعيد انتاجها غير مرة، كما حدث مثلا مع روايته "الطريق".
وقد انشغل المسرح كذلك ببعض رواياته، والمسلسلات الاذاعية. وما كان ذلك ليتم لولا ما تتميز به اعمال هذا الكاتب الكبير، من قوة الحدث وحيوية السرد، وامكان صنع المشاهد. ولا عجب فنحن ازاء كاتب مملتىء بالحياة.
<<الصفحة الرئيسية









