محمود درويش.. وطن في قصيدة 19/06/2002 هيثم الحاج علي ** درويش يوقع على ديوانه الأخير لمعجبيه في رام الله "لم يكن محمود درويش يعبث لحظة واحدة بأدوات رسالته لفرط حساسية هذه الأدوات. فأداة الشاعر الفلسطيني واحدة بطبيعته الاستثنائية، هذه الأداة هي الوطن المفقود الذي يصبح في الغياب فردوسا مفقودا"، هكذا صدر الحكم - قدريا - على محمود درويش الشاعر أن يولد فلسطينيا ليصبح لسانا لهذه الأرض التي أُفقدت عن عمد الكثير من ألسنتها. والمتتبع لحياة محمود درويش يجدها قد مثّلت - بصورة نموذجية - أبعاد قضية شعبه على مدار ستين عاما هي مدتها، وعبر توصيفات صدقت في كل وقت على كل أفراد هذا الشعب. مع الميلاد: عندما كنت صغيرا.. كانت الوردة داري.. والعصافير إزاري في عام 1942 وُلد محمود درويش في قرية "البروة" بالقرب من عكا، وهي القرية التي لا يذكر منها الكثير، حيث بترت ذكرياته فجأة وهو في السادسة من عمره. في إحدى الليالي حالكة السواد استيقظ فجأة على أصوات انفجارات بعيدة تقترب، وعلى هرج في المنزل، وخروج فجائي، وعدوٍ استمر لأكثر من ست وثلاثين ساعة تخلله اختباء في المزارع من أولئك الذين يقتلون ويحرقون ويدمرون كل ما يجدونه أمامهم "عصابات الهاجاناة". ويستيقظ الطفل محمود درويش ليجد نفسه في مكان جديد اسمه "لبنان"، وهنا يبدأ وعيه بالقضية يتشكل من وعيه ببعض الكلمات، مثل: فلسطين، وكالات الغوث، الصليب الأحمر، المخيم، واللاجئين… وهي الكلمات التي شكّلت مع ذلك إحساسه بهذه الأرض، حين كان لاجئا فلسطينيا، وسُرقت منه طفولته وأرضه. وفي عامه السابع عشر تسلل إلى فلسطين عبر الحدود اللبنانية، وعن هذه التجربة يقول: "قيل لي في مساء ذات يوم.. الليلة نعود إلى فلسطين، وفي الليل وعلى امتداد عشرات الكيلومترات في الجبال والوديان الوعرة كنا نسير أنا وأحد أعمامي ورجل آخر هو الدليل، في الصباح وجدت نفسي أصطدم بجدار فولاذي من خيبة الأمل: أنا الآن في فلسطين الموعودة؟! ولكن أين هي؟ فلم أعد إلى بيتي، فقد أدركت بصعوبة بالغة أن القرية هدمت وحرقت". هكذا عاد الشاب محمود درويش إلى قريته فوجدها قد صارت أرضا خلاء، فصار يحمل اسما جديدا هو: "لاجئ فلسطيني في فلسطين"، وهو الاسم الذي جعله مطاردًا دائما من الشرطة الإسرائيلية، فهو لا يحمل بطاقة هوية إسرائيلية؛ لأنه "متسلل".. وبالكاد وتنسيقًا مع وكالات الغوث بدأ الشاب اليافع في العمل السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي، محاولا خلق مناخ معادٍ للممارسات الإرهابية الصهيونية، وكان من نتيجة ذلك أن صار محررا ومترجما في الصحيفة التي يصدرها الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، وهو الحزب الذي رفع في تلك الفترة المبكرة من الستينيات شعارا يقول: "مع الشعوب العربية.. ضد الاستعمار"، وهي الفترة ذاتها التي بدأ يقول فيها الشعر، واشتُهر داخل المجتمع العربي في فلسطين بوصفه شاعرا للمقاومة لدرجة أنه كان قادرا بقصيدته على إرباك حمَلة السلاح الصهاينة، فحينئذ كانت الشرطة الإسرائيلية تحاصر أي قرية تقيم أمسية شعرية لمحمود درويش. وبعد سلسلة من المحاصرات، اضطر الحاكم العسكري إلى تحديد إقامته في الحي الذي يعيش فيه، فصار محظورا عليه مغادرة هذا الحي منذ غروب الشمس إلى شروقها في اليوم التالي، ظانا أنه سيكتم صوت الشاعر عبر منعه من إقامة أمسياته. إلى المنفى: وطني على كتفي.. بقايا الأرض في جسد العروبة وهنا بدأ محمود درويش الشاعر الشاب مرحلة جديدة في حياته بعد أن سُجن في معتقلات الصهيونية ثلاث مرات: 1961 – 1965 – 1967. ففي مطلع السبعينيات وصل محمود درويش إلى بيروت مسبوقا بشهرته كشاعر، وعبر أعوام طويلة من التنقل كان شعره صوتا قويا يخترق أصوات انفجارات الحرب الأهلية في لبنان. وفي عام 1977 وصلت شهرته إلى أوجها، حيث وُزع من كتبه أكثر من مليون نسخة في الوقت الذي امتلكت فيه قصائده مساحة قوية من التأثير على كل الأوساط، حتى إن إحدى قصائده (عابرون في كلام عابر) قد أثارت نقاشا حادا داخل الكنيست الإسرائيلي. هذا التأثير الكبير أهَّله بجدارة لأن يكون عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على الرغم من عدم انتمائه لأية جماعة أو حزب سياسي منذ مطلع السبعينيات، وقد تطورت علاقته بمنظمة التحرير حتى اختاره "عرفات" مستشارا له فيما بعد ولفترة طويلة، وقد كان وجوده عاملا مهما في توحيد صفوف المقاومة حينما كان يشتد الاختلاف، وما أكثر ما كان يشتد!. يذكر "زياد عبد الفتاح" أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واقعة تؤكد هذا المعنى فيقول: "قرأ محمود درويش على المجلس الوطني الفلسطيني بكامل أعضائه ومراقبيه ومرافقيه وضيوفه وحرسه قصيدة: "مديح الظل العالي " فأثملهم وشغلهم عن النطاح السياسي الذي شب بينهم في تلك الجلسة. وهذا ما جعل ياسر عرفات يحاول إقناع محمود درويش بُعيد إعلان قيام الدولة الفلسطينية في المنفى بتولي وزارة الثقافة الفلسطينية، ولكن الرد كان بالرفض، معللا هذا الرفض بأن أمله الوحيد هو العودة إلى الوطن ثم التفرغ لكتابة الشعر. وقد عاش محمود درويش كثيرا من مآسي هذه المقاومة، وشاهد بنفسه كثيرين من أصدقائه ورفقاء كفاحه وهم يسقطون بأيدي القتلة الصهاينة، وكانت أكثر حوادث السقوط تأثيرا في نفسه حادث اغتيال "ماجد أبو شرار" في روما عام 1981، حين كانا يشاركان في مؤتمر عالمي لدعم الكتاب والصحفيين الفلسطينيين نظَّمه اتحاد الصحفيين العرب بالتعاون مع إحدى الجهات الثقافية الإيطالية.. وضع الموساد المتفجرات تحت سرير ماجد أبو شرار.. وبعد موته كتب محمود درويش في إحدى قصائده: "أصدقائي.. لا تموتوا". كان محمود درويش مقيما في بيروت منذ مطلع السبعينيات، وعلى الرغم من تجواله المستمر إلا أنه قد اعتبرها محطة ارتكازه، كما كانت حياته في بيروت زاخرة بالنشاط الأدبي والثقافي، فقد أصدر منها في أواخر السبعينيات مجلة الكرملالتي رأس تحريرها والتي اعتبرت صوت اتحاد الكتاب الفلسطينيين. تحت القصف: (بيروت.. لا) أثناء قصف بيروت الوحشي، كان محمود درويش يعيش حياته الطبيعية، يخرج ويتنقل بين الناس تحت القصف، لم يكن يقاتل بنفسه، فهو لم يعرف يوما كيف يطلق رصاصة، لكن وجوده - وهو الشاعر المعروف - بين المقاتلين كان يرفع من معنوياتهم، وقد أثر قصف بيروت في درويش تأثيرا كبيرا على مستويات عديدة. فعلى المستوى النفسي كانت المرة الأولى التي يحس فيها بالحنق الشديد، على الرغم من إحباطاته السابقة، وعلى المستوى الشعري أسهم هذا القصف في تخليه عن بعض غموض شعره لينزل إلى مستوى أي قارئ، فأنتج قصيدته الطويلة الرائعة "مديح الظل العالي"، معتبرا إياها قصيدة تسجيلية ترسم الواقع الأليم، وتدين العالم العربي، بل الإنسانية كلها. وأسفر القصف عن خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، بينما فضّل محمود درويش البقاء في بيروت، معولا على عدم أهميته بالنسبة للصهاينة، لكنه وبعد عشرين يوما من بقائه علم أنه مطلوب للتصفية، فاستطاع أن يتسلل هاربا من بيروت إلى باريس ليعود مرة أخرى إلى حقيبته وطنا متنقلا ومنفى إجباريا. وبين القاهرة وتونس وباريس عاش محمود درويش حبيس العالم المفتوح معزولا عن جنته الموعودة.. فلسطين. لقد كان الأمل في العودة هو ما يدفعه دائما للمقاومة، والنضال والدفع إلى النضال. كان محمود درويش دائما يحلُم بالعودة إلى أرضه يشرب منها تاريخها، وينشر رحيق شعره على العالم بعد أن تختفي رائحة البارود، لكنه حلم لم يتحقق حتى الآن!. اتفاقات التسوية "لماذا تطيل التفاوض يا ملك الاحتضار"؟ في عام 1993 وأثناء تواجده في تونس مع المجلس الوطني الفلسطيني، أُتيح لمحمود درويش أن يقرأ اتفاق أوسلو، واختلف مع ياسر عرفات لأول مرة حول هذا الاتفاق، فكان رفضه مدويا، وعندما تم التوقيع عليه بالأحرف الأولى قدم استقالته من المجلس الوطني الفلسطيني، وشرح بعد ذلك أسباب استقالته قائلا: "إن هذا الاتفاق ليس عادلا؛ لأنه لا يوفر الحد الأدنى من إحساس الفلسطيني بامتلاك هويته الفلسطينية، ولا جغرافية هذه الهوية إنما يجعل الشعب الفلسطيني مطروحا أمام مرحلة تجريب انتقالي.. وقد أسفر الواقع والتجريب بعد ثلاث سنوات عن شيء أكثر مأساوية وأكثر سخرية، وهو أن نص أوسلو أفضل من الواقع الذي أنتجه هذا النص". وعاد درويش في يونيو 1994 إلى فلسطين، واختار الإقامة في رام الله، وعانى مذلة الوجود في أرض تنتمي له، ويحكمها -ولا يحكمه- فيها شرطي إسرائيلي.. واستمر يقول الشعر تحت حصار الدبابات الإسرائيلية، إلى أن تم اجتياحها أخيرا، ولم يسلم هو شخصيا من هذا الاجتياح، حيث داهمت الشرطة الإسرائيلية منزله، وعبثت بأسلحته: أوراقه وأقلامه. رحلة الإبداع "مع الشعر مجيئي … مع الشعر رحيلي" "إذا كنا هامشيين إلى هذا الحد فكريا وسياسيا فكيف نكون جوهريين إبداعيا؟" هكذا أجاب درويش، وهكذا يرى نفسه وسط عالم من الإبداع الجيد والمبدعين "الجوهريين"، رغم التقدير الذي يلقاه داخل وطننا العربي وخارجه الذي بلغ ذروته حين قام وفد من البرلمان العالمي للكتاب يضم وول سوينكا وخوسيه ساراماغو وفينثنثو كونسولو وبرايتن برايتنباك وخوان غويتيسولو إلى جانب كريستيان سالمون سكرتير البرلمان 24 مارس 2002 بزيارة درويش المحاصر في رام الله مثل ثلاثة ملايين من مواطنيه، وهذه الخطوة –زيارة وفد الأدباء لفلسطين- التي لم تستغل جيدا رغم أنها حدث في منتهى الأهمية – تنم عن المكانة التي يحتلها درويش على خريطة الإبداع العالمي. وعلى هامش الزيارة كتب الكاتب الأسباني خوان غويتسولو مقالا نشره في عدد من الصحف الفرنسية والأسبانية اعتبر فيه محمود درويش أحد أفضل الشعراء العرب في القرن الحالي ويرمز تاريخه الشخصي إلى تاريخ قومه، وقال عن درويش إنه استطاع : تطوير هموم شعرية جميلة ومؤثرة احتلت فيها فلسطين موقعا مركزيا، فكان شعره التزاما بالكلمة الجوهرية الدقيقة، وليس شعرا نضاليا أو دعويا، هكذا تمكن درويش، شأنه في ذلك شأن الشعراء الحقيقيين، من ابتكار واقع لفظي يرسخ في ذهن القارئ باستقلال تام عن الموضوع أو الباعث الذي أحدثه. وكان درويش قد شارك في الانتفاضة الأخيرة بكلماته التي لا يملك غيرها بديوان كتبه في أقل من شهر عندما كان محاصرا في رام الله، وأعلن درويش أنه كتب هذا الديوان – الذي أهدى ريعه لصالح الانتفاضة – حين كان يرى من بيته الدبابات والجنود, ويقول: "لم تكن لدي طريقة مقاومة إلا أن أكتب, وكلما كتبت أكثر كنت أشعر أن الحصار يبتعد, وكانت اللغة وكأنها تبعد الجنود لأن قوتي الوحيدة هي قوة لغوية". وتابع قائلا "كتبت عن قوة الحياة واستمرارها وأبدية العلاقة بالأشياء والطبيعة. الطائرات تمر في السماء لدقائق ولكن الحمام دائم.. كنت أتشبث بقوة الحياة في الطبيعة للرد على الحصار الذي أعتبره زائلا؛ لأن وجود الدبابة في الطبيعة وجود ناشز وليس جزءا من المشهد الطبيعي". اللافت أن درويش لم يخاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي إريل شارون في أي قصيدة من قصائد الديوان. وقال درويش بشأن ذلك: إن شارون "لا يستحق قصيدة فهو يفسد اللغة.. هو متعطش للدماء ولديه حقد كبير, ولكن المشكلة في الدعم الأميركي الذي يمنحه بعد كل مجزرة وساما بأنه رجل سلام". وما زال الشاعر ابن الستين ربيعا متفجرا يعيش تحت سماء من دخان البارود الإسرائيلي وخلف حوائط منزل صغير مهدد في كل وقت بالقصف أو الهدم، وبجسد مهدد في كل وقت بالتحول إلى غربال.. ورغم ذلك فإن كل هذا يقوي من قلمه، ويجعله أشد مقاومة. اقرأ أيضا: المراجع: 1 – د. محمد فكري الجزار – الخطاب الشعري عند محمود درويش – دراسة جامعية. 2 – محمود درويش المختلف الحقيقي – دراسات وشهادات. (شهادات كل من: د. إدوارد سعيد، يحيى خلف، زياد عبد الفتاح) 3 – لقاء صحفي مع محمود درويش – مجلة الهلال – القاهرة – مايو 1971. 4 – ملف خاص عن محمود درويش – مجلة القاهرة – الهيئة المصرية العام للكتاب - العدد 151 يونيه (1995) بعنوان: محمود درويش عصفور الجنة أم طائر النار؟. 5 – لقاء لمحمود درويش مع الجمهور الفرنسي على مسرح (بارك دولافيليت) باريس بتاريخ 5 مايو 1997. 6 – برنامج إذاعي خاص عن محمود درويش بعنوان (وطني حقيبة) إخراج: عصام العراقي – البرنامج الثقافي – القاهرة. عن موقع إسلام أون لاين


أشرف مروان.. لغز حياة وموت مروان إلى اليسار إلى جوار عبد الحكيم نجل الرئيس جمال عبد الناصر بقلم: أحمد مرزوق أثارت وفاة الدكتور أشرف مروان رجل الأعمال والمستشار مبارك: أشرف مروان بطل مصري.. عن جريدة الصباح الفلسطينية

السياسي ومدير مكتب الاتصالات الخارجية في عهد الرئيس الراحل أنور السادات ، إثر سقوطه من شرفة منزله في لندن ، العديد من التكهنات والتساؤلات ، فهناك من يقول ، إنه القى بنفسه من الشرفة ، وآخرون يقولون بإنه قد القي به عن عمد ، ونسجت الكثير من الرويات حوله ، ولكن من هو أشرف مروان؟ اسطورة اسمها أشرف مروان كان على سطح السياسة المصرية شخص أسمه أشرف مروان أغلب ما يعرفه الناس العاديون عنه أنه زوج مني عبد الناصر إبنة الزعيم جمال عبد الناصر. وإذا أردنا أن نقترب أكثر فنقول إن اسمه هو ، أشرف أحمد مروان ، من مواليد الثاني من فبراير عام 1944 ، حصل على بكالوريوس العلوم من جامعة من جامعة القاهرة عام 1965 ، ثم حصل على الدكتوراة في العلوم من جامعة لندن عام 1974 ، وقد التحق مروان بالقوات المسلحة عام 1965 وبعد ذلك تم تعينه سكرتيرا لشئون المعلوات للرئيس الراحل أنور السادات في مايوعام 1971 ، ثم سكرتيرا للاتصالات الخارجية عام 1974. وقد لعب مروان أدوارا تنفيذية وسياسية عديدة في عهدي الرئيسين عبد الناصر ، فقد كان عضوا في لجنه الإشرااف على التطور وصناعة الأسلحة في مصر وليبيا ، وعضوا بالمجلس الأعلى في مجال الطاقة النووية عام 1973 ، وأيضا كان مقررا للجنة العليا للتسليح والتصنيع الحربي ، وفي أغسطس عام 1974 أصبح مشرفا على مكتب الشئون العربية برئاسة الجمهورية ، كما عين في سبتمبر 1975 عضوا بمجلس إدارة الهيئة العربية للتصنيع ، التي أصبح بعد ذلك رئيسا لها ، وفي عام 1987 عين مروان سفيرا بوزارة الخارجية ، وبعدها اتجه مروان للعيش والإقامة في لندن ، ليعمل في الأعمال الحرة ، كما كان رئيسا للجالية المصرية في لندن. مروان والموساد الإسرائيلي من المعروف أن حرب أكتوبر 1973، التي عبر فيها الجيش المصري قناة السويس ، قضت على أسطورة الجيش الذي لا يقهر ، ورغم أن العديد من قادة الجيش الإسرائيلي وفي مقدمتهم دافيد العازار رئيس الأركان - في ذلك الوقت - ، دفعوا ثمن المفاجأة فإن الأنظار جميعها تركزت حول الذراع الضارب لإسرائيل والمتمثل في الاستخبارات الإسرائيلية ، وإذا كانت الحرب قد زعزعت المجتمع والجيش الإسرائيلي ، فإنها أصابت بهزة أرضية شديدة الاستخبارات بشقيها العسكري والموساد. وفي ظل تبادل الاتهامات بين الموساد والاستخبارات العسكرية وهي اتهامات لا تنحصر في المنافسة الجارية الآن فقط ، بل منذ إقامة الدولة اليهودية ، تحتل حرب اكتوبر مكانة مركزية ، ومنذ سنوات تبين أن أحد أبرز جوانب الخلاف يتركز حول الدور الذي لعبه عميل مصري يدعى باسم "بابل" ، وهو الذي خدر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ودفعها إلى تجاهل المعطيات والوقوع في الفخ المصري. وقد اشير إلى أن هذا العميل الذي كان اسمه الكودي هو "بابل" كان عميلا مزدوجا هو "أشرف مروان" ، ومؤخرا وصلت القضية إلى المحاكم الإسرائيلية بعد قيام الجنرال إيلي زعيرا برفع دعوى قذف وتشهير ضد رئيس الموساد الأسبق تسفي زامير ، وقد رفعت القضية بعد المعركة الصاخبة التي اندلعت بين الجنرالين على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد العبرية. فقد اتهم زامير ، زعيرا صراحة بأنه كان وراء تسريب اسم أشرف مروان للباحث الإسرائيلي أهارون برجمان ، وقال إن لديه "الأوراق التي تثبت ذلك ، كما أن مؤلف الكتاب (برجمان) تحدث عن اللقاء الذي جمع بينه وبين زعيرا في منزل الأخير" ، ودعا زامير إلى تقديم زعيرا للمحاكمة بتهمة إفشاء أسرار الدولة والإساءة إلى أبسط قواعد العمل الاستخباري المتمثلة بعدم كشف المصادر. وكان الدكتور أهارون رونين برجمان ، وهو يهودي إسرائيلي يقيم في لندن ، غادر إسرائيل سنة 1989 بعدما أعلن رفضه تأدية الخدمة فى المناطق المحتلة أثناء الانتفاضة الأولى ، هو أول من فجر قضية أشرف مروان ، وقد نشر برجمان كتابا بعنوان "تاريخ إسرائيل" ، جاء فيه أن مروان قد لعب دور العميل المزدوج ببراعة ، وزود إسرائيل بمعلومات مضللة قبل حرب 1973 ، وأثناء المعارك. وقد بدأت هذه المعركة عندما قرر زعيرا أن يكسر الصمت ويتحدث في حلقتين تلفزيونيتين حول مسئوليته في التقصير الاستخباري الذي قاد للمباغتة العربية في الحرب. وقال زعيرا: "أنا أتحمل أخطاء التقديرات الاستخبارية قبيل الحرب ، فقد تمسكت أنا وضباط وحدة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية"أمان" بفرضية أن احتمالات الحرب ضئيلة". وطلب رئيس الموساد آنذاك تسفي زامير حق الرد في التلفزيون حيث قال إن ايلي زعيرا ، رئيس الاستخبارات العسكرية أثناء حرب أكتوبر ، ضلل الجيش والحكومة الإسرائيلية عن عمد. ولكن في خلفية الصراع بين الرجلين خلاف حول ما إذا كان مروان مجرد عميل أم أنه عميل مزدوج ، ويؤمن زعيرا بأن مروان هو النجاح الأكبر للاستخبارات المصرية قبل وأثناء حرب أكتوبر حيث أفلحت في زرعه ونيل ثقة الاستخبارات الإسرائيلية به ثم تضليلها بعد ذلك. ويبرر زعيرا موقفه بالقول ، إنه من الثابت أن مروان رافق السادات في زيارته للملك فيصل بالسعودية في أغسطس 73، والتى أخبر السادات الملك فيصل فيها بنيته شن الحرب قريبا جدا ، فلماذا صمت مروان كل هذا الوقت حوالى شهرين ، ولماذا لم يبلغ إسرائيل بالخبر سوى قبل اندلاع الحرب بساعات؟ ، بحيث لا تصبح المعلومة ذات قيمة ، ولماذا ضيع يوما كاملا وطلب لقاء رئيس الموساد في لندن ، ولم يبلغهم بالخبر بالتليفون أو في نفس البرقية التي طلب فيها تحديد الميعاد ، إذا كان فعلا يعمل لمصلحة إسرائيل! ويتمسك زعيرا بموقفه ، موضحا أن عملية "بابل" من ابرز ما نفذته المخابرات المصرية قبل وأثناء حرب أكتوبر ، حيث استطاعت زرعه فى طريق ضباط التجنيد الإسرائيليين ، واكسابه ثقتهم ، ثم تضليلهم بطريقة محكمة. وأكد زعيرا أن مروان ، كان عميلا مزدوجا خدم مصر بشجاعة كبيرة ، وشارك فى الخديعة المصرية الكبرى لإسرائيل ، وطالب بالتحقيق في الموضوع بشكل جذري ، مدعيا أنه إذا لم يتم ذلك فان أجهزة المخابرات الإسرائيلية ستقع في المستقبل ، ضحية للعملاء المزدوجين وللتضليل. ويقول رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية ، إن "بابل" نقل معلومات دقيقة إلى اسرائيل لكي يحظى بثقتها ، ولكن الهدف من تشغيله كان في الواقع التضليل . وأضاف زعيرا ، كيف يمكن لمسئول مصري رفيع كهذا أن يأتي إلى السفارة الإسرائيلية في لندن في وضح النهار ، في الوقت الذي يعرف هو وقادته بأن هذه السفارة مثل غيرها من السفارات الاسرائيلية في الخارج مراقبة من عشرات أجهزة المخابرات في العالم؟. وأشار زعيرا إلى أن أهم مهمة قام بها "بابل" هي عندما أبلغ إسرائيل بموعد الحرب ، فهو قال إنها ستتم قبيل حلول المساء ، وبذلك خدع إسرائيل لأن الحرب بدأت في الثانية من بعد الظهر ، فقد فهم منه الإسرائيليون أن الحرب ستقع في السادسة مساء ، وخلال الساعات الأربع كانت القوات المصرية قد أتمت عبور القنال ، ولذلك فإنه نجح في تضليل إسرائيل. وفي الوقت الذي تنشغل فيه المؤسسة الاستخبارية بالإجابة عن السؤال حول ما إذا كان أشرف مروان عميلا مخلصا أم عميلا مزدوجا جاءت صور نشرت في التلفزيون المصري لزيارة قام بها الرئيس حسني مبارك لضريح الرئيس عبد الناصر. وبحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" فإن عناق الرئيس مبارك لمروان من شأنه وضع حد للنقاش داخل هذه الأجهزة حول شخص مروان. وقد نشرت "يديعوت أحرونوت" يوم الجمعة 6/5/2005 تقريرا موسعا لبرجمان ، أوضح فيه أن هذا الجدل سينتهي لأن مروان كان مجرد "بطل قومي مصري". وبحسب تقرير برجمان فإن أحد العاملين في جهاز الاستخبارات الإسرائيلي في إطار مراقبة شبكات التلفزيون العربية شاهد في إحدى القنوات المصرية الرئيس مبارك يصافح أشرف مروان في احتفالات ذكرى حرب أكتوبر في العام الماضي. وقام رجل الاستخبارات بتسجيل مقطع المصافحة والذي تخلله أيضا عناق ، على شريط فيديو وبعد أن تأكد من أن الشخص المقصود هو فعلا أشرف مروان أبلغ المسئولين عنه بالأمر. ويقول برجمان إنه "في شريط الفيديو يقف هذا الرجل بعد إحدى وثلاثين سنة يصافح بحرارة يد الرئيس المصري أمام الكاميرات في ذكرى الاحتفال بالنصر على العدو ويرافقه لوضع إكليل الورود على ضريح الرئيس عبد الناصر". ويضيف برجمان "بعد الأن لا يتبقى أي مكان للشك ، فالرئيس المصري لا يتعامل على هذا النحو مع أكبر خائن عرفته مصر ، بل هكذا يتم التعامل مع بطل قومي". وحول تجنيد مروان نفسه في خدمة الموساد الإسرائيلي قبل 4 سنوات من حرب عام 1973 ، كتب برجمان ، أنه "قبل أربع سنوات من بدء الحرب دخل رجل أنيق إلى السفارة الإسرائيلية في لندن وطلب التحدث إلى مندوب الموساد فيها" ، وعندما حضر مندوب الموساد لم يتعرف على الاسم (أشرف مروان) ، لكن مروان قال له : اريد أن أعمل لصالحكم ، "اريد أن ازودكم بمعلومات لم تحلموا من قبل بالحصول عليها ، اريد مالا مقابل المعلومات ، الكثير من المال وصدقني أنه سيسركم دفع المال لي". لكن رجل الموساد الذي لم يتعرف على مروان حاول صرفه ، فرد مروان "عليك فقط أن تبلغ إسرائيل باسمي وسأعود الاسبوع القادم" ، ويتابع برجمان ، أن المسئولين في الموساد لم يصدقوا ما حصل "فقد كانت القصة أفضل من أن تكون حقيقية". ورغم ذلك سافر مسئول في الموساد إلى أوروبا وجند مروان الذي أصبح منذ ذلك الوقت يعرف بكنية "بابل" ، الذي تلقى خلال الأعوام التي تلت هذا اللقاء مبالغ طائلة وصلت إلى ثلاثة ملايين دولار مقابل معلومات حول مصر زود بها الموساد. ووفقا للرواية الإسرائيلية فإن مروان زود المخابرات الإسرائيلية بمعلومات ووثائق من غرفة القيادة المصرية منذ شهر فبراير 1970 ، بينها محادثات بين السادات والرئيس السوفييتي بريجينيف ، طالب السادات خلالها الاتحاد السوفييتي بتزويد مصر بأسلحة متطورة. وبحسب برجمان فأن "المعلومات التي زودها" بابل" أصبحت أكثر أهمية ومع مرور السنين أصبحت إسرائيل أكثر تعلقا بهذه المعلومات" إلى درجة انه "طالما لم يقل "بابل" إن حربا ستنشب فإن شعبة الاستخبارات العسكرية لم تفكر بأن الحرب على الأبواب حتى وإن كانت كافة الدلائل تشير إلى اقتراب نشوب الحرب". والحقيقة أن ما ينشر فى الصحافة الإسرائيلية يؤكد هذا الكلام ، ويدعمه بعدد من الأسانيد ، فيقول عاميت كوهين فى معاريف 19-1-2003 : في فبراير 73 أسقط سلاح الطيران الإسرائيلى طائرة ركاب ليبية دخلت المجال الجوي في سيناء بطريق الخطأ ، وقرر العقيد القذافي الانتقام ، وطلب من الرئيس السادات مساعدته فى التخطيط لعملية إنتقامية سريعة ، ووافق السادات ، حتى لا تتسبب ثورة القذافي في تدمير خطط حرب أكتوبر. وكُلف الدكتور أشرف مروان بالمهمة ، وقام مروان بنقل عدة صواريخ ستريلا مضادة للطائرات لخلية تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، التي استعدت بدورها لتفجير طائرة إسرائيلية فى مطار روما ، وقبيل تنفيذ العملية بساعات قليلة ألقت قوات الأمن الإيطالية القبض على الخلية في مخابئها. ويبدو أن مروان هو الذى أبلغ ضابط تشغيله المخدوع في الموساد بتفاصيل العملية ليكسب ثقته ، وبذلك ضرب السادات عصفورين بحجر واحد ، ظهر وكأنه ساعد القذافي ، ومن ناحية أخرى دعم مصداقية أحد أضلاع خطة التمويه والخداع المصرية. ويضيف يوسي ملمان ، فى هآرتس 17-1-2003 : في مايو 73 نقل مروان لإسرائيل معلومات مفادها أن المناورة التى يقوم بها الجيش المصري ستنتهى بشن الحرب ، وأصدر رئيس الأركان آنذاك دافيد أليعزر، بالمخالفة لرأي موشيه ديان وزير الدفاع ، قرارا بتجنيد قوات الاحتياط والدخول في حالة التأهب القصوى ، الأمر الذى كلف إسرائيل خسارة اقتصادية فادحة لأن حالة التعبئة لم تكن مدرجة على جدول الميزانية. كما أن المصريين لم يشنوا الحرب ، وثارت ثائرة الحكومة الإسرائيلية ، وبدأت ثقتهم تهتز فيما ينقله العميل "بابل" ، الذى ضللهم ، لذلك لم يصدقوا ما قاله لهم عشية السادس من أكتوبر ، تماما كما كان مخططا من أول العملية. فعندما وصلت المعلومة لشعبة الأبحاث بالمخابرات الحربية ، علقوا عليها بقولهم المصريون لن يشنوا الحرب بمفردهم ، وفرص مشاركة السوريين في الحرب ضعيفة ، وفي كل الأحوال لم يجرؤ المصريون على شن الحرب طالما أنهم لم يحصلوا القدرات الصاروخية التي تستطيع مواجهة تفوق سلاح الجو الإسرائيلي. وشغل الإسرائيليين أنفسهم بمحاولة الاجابة على سؤال صعب حول حقيقة دور أشرف مروان ، وهل كان أحد أضلاع خطة التمويه والخداع؟. ويجيب دان مرجليت الصحفي بـ"معاريف" ، أن بقاء مروان طليقا يمارس حياته الطبيعية دون أي عائق ، يؤكد أن إسرائيل راحت ضحية لعبة رجل محترف من طراز فريد. ومن ناحيتها التزمت الحكومة المصرية الصمت إزاء المزاعم المتعلقة بالعمالة لإسرائيل، فيما ترجح دوائر أمنية مصرية أن يكون مروان عميلا مزدوجا لصالح مصر، استنادا إلى أن الرئيس الراحل أنور السادات كرمه تقديرا لجهوده خلال حرب أكتوبر وتمكنه من توفير قطع الغيار اللازمة للقوات الجوية في أثناء رئاسته للهيئة العربية للتصنيع في الفترة من 1974 وحتى 1979. كما كان أشرف مروان من ضمن القلائل الذي وجهت له الدعوة لحضور زفاف جمال مبارك نجل الرئيس ، وقد لبى مروان الدعوة وحضر بالفعل ، وكانت أخر زيارة له لمصر ، فهل يدعو مبارك شخصا لزفاف إبنه تدور حوله الشكوك والأقاويل ، إلا إذا كان يعرف حقيقته بالفعل ، والدور الذي قدمه للبلاد. موت غامض أثارت وفاة مروان الغامضة شكوك وغموض كبير من حيث أن مروان ألقي به من شرفة منزله ، وذكرت التقارير الصحفية أن الغموض يكتنف موته تماما مثل حياته. وقد أشارت الصحف إلى أن شرطة لندن تفحص احتمال قذفه من الشرفة بعدما أفاد أقرباؤه للشرطة بأن مروان كان يخشى على حياته منذ أن كشفت إسرائيل عام 2003 أنه عميل كبير للموساد. وأضافت أنه كان من المفروض أن يلتقي في نفس يوم وفاته مع المؤرخ الإسرائيلي أهارون بيرجمان "الذي كشف عن هويته قبل أربع سنوات". كما نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن بيرجمان قوله ، إن مروان اتصل به في الليلة السابقة لموته وترك له ثلاث رسائل صوتية على آلة التسجيل "وهذا غريب" ، وأضاف بيرجمان أنه حدد معه لقاء في مساء اليوم التالي ولم يتصل. واكدت الصحف الإسرائيلية أن مروان كان "عميلا مزدوجا" وتساءلت إن كان فعلا انتحر أو تم قتله غدرا. كما أفادت بعض الأنباء التي لم تتأكد بعد ويتم تداولها بأن مروان سقط أو انتحر عبر إلقاء نفسه من شرفة شقته. فيما أكد أحد المقربين من أسرة الدكتور مروان ، إن أحد أصدقاء الدكتور مروان من أعضاء الجالية المصرية في بريطانيا كان في طريقه لزيارته وشاهده بالشرفة وهو يتحدث من تليفونه المحمول ، وشاهده أثناء سقوطه بعد أن اختل توازنه. وأضاف أن الدكتور مروان كان يتمتع بإردة قوية رغم حالته الصحية ، وأنه كان يعاني في الفترة الأخيرة من اختلال توازنه أثناء الحركة حتى أنه كان يستخدم عصا يتوكأ عليها. المثير في الأمر أن كلا من الفنانة سعاد حسني والعميد الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري أثناء حكم الرئيس عبد الناصر قد لقيا مصرعهما بالطريقة نفسها التي لقى بها أشرف مروان مصرعه وفي المدينة نفسها .. لندن. طريقة الموت واحدة.. بين مروان وسعاد حسني والليثي ناصف بطل 'ثورة التصحيح' التي قام بها السادات ، فهل الجميع يتفقون على الموت بالطريقة نفسها أم أن الجهة التي تقف وراء موتهم جميعا هي جهة واحدة؟! ربما يظل الأمر مجهولا لسنوات ، وإن كان العنصر المشترك هو أن جميع من ماتوا في لندن كانوا يعدون مذكراتهم الشخصية عن الأحداث والأشخاص الذين عايشوهم والتي سيطويها النسيان مع رحيل أصحابها. وفي النهاية يبقى تسأول ، هل كان مروان عميلا مزدوجا كما تدعي إسرائيل ؟ ام أنه كان من أخلص رجال الوطن؟.
ملحوظة:
<<الصفحة الرئيسية










