عذب الكلام
ساحة للتأمل والحوار الراقي والقيم السامية

رواية عن الهامش المنسي والأحلام الغاربة

قرأت لكم هذه الرواية الرائعة للكاتب هاني عبد المريد

«كيرياليسون».. رواية عن الهامش المنسي والأحلام الغاربة

طباعة ارسال لصديق
04/04/2008

كتابة تخرج من الإطار الذاتي لتتبني قضايا سياسية.. وصوفية

عمار علي حسن يكتب عن كتاب يهتم باصطياد القارئ
ما إن تنتهي من رواية "كيرياليسون" لهاني عبد المريد حتي تشتعل رأسك بالأسئلة، ولا تجد إجابات قادرة علي إطفائها، ولو أعدت قراءة المفتتح، والاستهلالات التي تتهادي إليك في هيئة "صدي الصوت" وعناوين المقاطع المتابعة/ المتوازية في آن، وبعض الهوامش الراقدة علي استحياء تحت المتن العامر بسرد لافت، فمهما ربطت بين البداية والنهاية، سيظل الكثير من بين اللوحات القصصية التي تشكل صلب هذه الرواية عصياً علي الفهم التام، ليس فقط لأن النص ثري نسبيا ومفتوح علي تأويلات عدة، ولا لشاعريته الجلية في بعض المواضع، لا سيما حين يلتحم الحلم بالواقع، لكن أيضا لأن الخيط الذي يربط التفاصيل ليس متينا بالقدر الكافي، والعمود الفقري للرواية أضعف من أن يحملك علي الإلمام - من الوهلة الأولي - بالتفاصيل الضائعة وسط السطور، والمعاني المضمرة بين ثناياها، وبين ضميري المخاطب والمتكلم.

لكن المؤلف استعاض عن المسار المعماري المعهود في بناء الرواية بامتلاك قدرة ظاهرة علي جذب القارئ إلي نصه، منذ السطر الأول حتي الأخير، معتمدا علي عدة عناصر، أولها وجود أسلوب مميز، يحتفي بصناعة العبارة، وينسج خيوطها علي مهل، من دون حشو أو إشباع يصيب السرد بالترهل. والثاني هو استخدام المؤلف لغة بسيطة لا تخلو من شاعرية، أصيلة تارة ومستعارة طورا، تحملها بعض الجمل القليلة مثل "يقف الرجل علي أحزانه" و"جسدي شمعة تذوب بمحبتك"، و"كلما رأونا شاطت قلوبنا" و"يدك المتصلبة تتلمس جدران وحدتك.. عيونك تحدق، فلا تري سوي بؤسك وعزلتك" و"زرع الفرحة في صدورنا"، أما أغلب السرد فجاء بسيطاً وعادياً، يمزج بين الفصحي المتيسرة والعامية الدارجة، في عبارات مباشرة تصل إلي المعني من أقرب طريق، وتبدو محايدة في كثير من المواضع. 
أما الثالث فهو التنقل بين أمكنة عدة، تدور حول المكان المركزي للرواية، وهو  منطقة "عشوائية" تتمثل في (حي الزرايب بمنشأة ناصر في القاهرة) لنجد أنفسنا نسافر مع الراوي إلي الصعيد، حيث يلتحق البطل "ناجح تيسير عبد الواحد" بإحدي كتائب الجيش هناك، وإلي العراق حيث يسافر "الخال" للبحث عن عمل، ثم ننتقل معه إلي أحياء أخري بالقاهرة، حيث المدرسة التي يعمل بها معلما بعد تخرجه في الجامعة، والعمارة التي عمل بها "فرد أمن/ بوابا" فترة مؤقتة بين التخرج وانتظار التجنيد. لكن كل هذه الأماكن تدور في فلك المكان الأساسي للرواية، ولا تشعر إلا في مواضع قليلة أنها تكاد تفلت منه.
والرابع هو السير ذهابا وجيئة في الزمان، فالرواية تبدأ من لحظة ما قبل الختام بإعلان عن تغيب ناجح منذ اليوم التالي لسقوط بغداد في يد الأمريكان، ثم تعود إلي السنوات القليلة التي سبقت ضياعه، وتغوص أكثر في أعماق الزمن لتسترجع طفولته، وتقفز إلي شبابه، وتراوح بين لحظات تمكنه، وهي قليلة، وأيام ضعفه واستكانته، وهي كثيرة. ويختصر الراوي مدداً طويلة من الزمن في بعض المواضع بجملة قصيرة وهي "ومرت الأيام" الأمر الذي يتيح له أن ينتقل إلي فترة زمنية جديدة، من دون أن يشعر القارئ بأنه قد أغفل تفاصيل، أو قفز فوق مواقف وأحداث تستحق أن تروي. وبالطريقة نفسها اختصر الراوي مشاهد عدة في كلمات واحدة، مثل تلك التي يقول فيها "استلبها" والتي تأتي بعد مشهد محاولة اغتصاب، ليلخص بهذه الكلمة الدالة الموقف برمته، ويتخلص من تفاصيل معروفة، لم تكن تضيف شيئا إلي النص لو ذكرها.
والعنصر الخامس هو إلقاء اسم أحد الشخصيات عرضا وسابقا علي أي شيء يتعلق به، أو يوضح من هو؟ وماذا فعل؟ لكن دون أن ينفصل عن خيط السرد انفصالا بينا، فيلقي في نفس القارئ نوعا من التشوق إلي الإجابة عن هذين السؤالين، وهو ما يفعله المؤلف فيما بعد. وقد حدث هذا مع كثير من شخصيات الرواية مثل شربات ويحيي والشيخ ثابت.  وهنا يأتي العنصر السادس، وهو التشويق، فالرواية رغم بينها التي تزاوج بين المتتالي والمتوازي وتتكئ إلي لوحات قصصية متتابعة أحيانا ومتجاورة أحيانا، يحمل كل منها عنوانا منفصلا، فإنها تهتم باصطياد القارئ، فما إن يبدأ في قراءتها حتي يجد لديه رغبة في أن يعرف ما يجري وما سيحدث وما ستنتهي إليه هذه الأحداث.
والعنصر السابع هو وحدة البداية والنهاية، وحالة الوجع التي تصيب بطل الرواية المأزوم دوما، والتي تنعكس علي التفاصيل كافة، وتلقي ظلالا كثيفة علي أجواء الرواية، وتصرفات شخصياتها، ما يمنحها قدرة علي الجمع بين أجزائها، ولم شمل أشتاتها، وعدم الإحساس بأن هناك شخصيات مقحمة عليها، أو مواقف يمكن الاستغناء عنها.
وبطل الرواية، ناجح تيسير عبد الواحد، البالغ من العمر 29 عاما، يبدو شخصية ضعيفة وانسحابية، يميل بسرعة إلي الاكتئاب، ويواجه الحياة بسلبية ظاهرة، تتجلي في حالات عدة يسردها المؤلف، من بينها: ندمه علي مواجهة الخرافات التي تلبس ثوب الدين، حين قال الناس عنه: "يخلق من ظهر العالم فاسد" قاصدين أنه الابن الفاسق لرجل الدين الشيخ تيسير، فساعتها يسأل ناجح نفسه: "هل كنت مخطئا.. غبيا؟" ثم يجب عن السؤال: "بالتأكيد كنت غبيا. لماذا أشذ عن المجموع؟ لماذا أعارض؟!". وتطفح هذه السلبية بشكل لافت أثناء تأدية ناجح خدمته العسكرية كضابط احتياط، حيث كان ينفذ الأوامر في طاعة عمياء حتي لو كانت مخالفة للقوانين والشرائع وما يفرضه الضمير، مكتفيا بصمت أبله، وشعور شامل بالضياع والتفاهة، إذ يقول: "أنا مجرد أداة، حولوني قبل كل شيء لجماد يوضع حيث يريد القائد الأعلي"، ويصف حاله: "كنت ضائعا.. غريقا يستنجد بقشة". وحين يحضه زميله أيمن، ابن اللواء السابق، علي التمرد قائلا له: "إنت احتياط.. مستقبلك مش في إيديهم"، يرتكن إلي خنوعه، ويقتنع بالتبريرات التي يقدمها له أخوه يحيي حين يحكي له أثناء الإجازات: "يابا دا عمره ما خد قفا من أمين شرطة، ولا حد سب أمه، خليك في حالك يا عم إحنا غلابة".
ونعرف من الرواية أن بذرة الخنوع التي نمت في نفس ناجح قد زرعها جبروت أبيه، وهو رجل غشوم، يذل والدته ويقهرها ويخونها، ولا تملك أن ترده أو تخرج عن طوعه قيد أنملة. ورغم أن الجدة تطالبه دوما بأن يعتد بنفسه: "الراجل يمشي فارد ضهره"، فإن تعزيزها له وحدبها عليه لا ينفع في قتل هذه البذرة، التي تكبر إلي درجة أن يقبل ناجح دور "القواد" أثناء عمله بوابا، حيث يغض الطرف عن الداعرات الصاعدات إلي "أسياده" وينتظر المكافأة أثناء هبوطهن: "أصبحت آخذ بثقة.. دون خجل، آخذ وأعرف أنني أعطي أكثر. أقبض وأنا ألاغي".
ولا يفلح السياق الاجتماعي الذي يحيط بناجح في انتشاله من الاكتئاب والسلبية، بل يعمق وحدته وشعوره بالضياع، فالحي الذي يعيش فيه يفوح بعفن القمامة، التي تأتي إليه من بيوت المدينة المتوحشة، لتتجمع هنا، وتنشط بينها الخنازير والأطفال الذين يقومون بفرزها علي مهل بأيادٍ قذرة ونفوس كسيرة. والشخصيات التي يراها عن كثب أو يتفاعل معها، تعيش حالات من السقوط الدائم، فالأب يتاجر بالدين ويسقط في الرذيلة، والأم مقهورة، والأخ باحث عن الثراء بأي ثمن، والخال مسلوب الإرادة أمام زوجة متسلطة، والولد الوسيم ابن منطاوي صاحب محل تصليح ساعات الذي يظفر بأجمل بنات الحي ليس أكثر من شاذ جنسيا، وسلوي الجميلة انتهت بها الحال إلي تسليم نفسها لكل من يشتهيها، وابنتا أبو عامر صاحب المقهي تبيعان الهوي والمخدرات، ومخيمر الفقير المعدم يمارس الكذب والنصب الفاضح كي يستدر عطف الناس فيعطونه أكثر مما يستحق، والضابط أيمن يكفر بالوطن والوطنية.
ولا يقدم لنا النص طريقة للتمرد علي هذا السياق المقبض سوي الاستخدام المفرط للقوة الغاشمة والخارجة عن القانون، وذلك عبر اثنين من البلطجية، الأول هو الضابط سامر زميله في الجيش الذي يدمن المخدرات، ويخيف كل من حوله، وتبلغ به الجرأة إلي درجة تهريبه فتاة إلي داخل الكتيبة ومكوثها في حجرته ثلاث ليال. والثاني هو عكرش بلطجي الزرايب "الذي لا يتردد، إذا ضاق صدره بك، في أن يعلم وجهك بخط من مطواته الأثيرة ـ قرن غزال ـ التي يتفنن في أساليب فتحها، استعراضا للرهبة".
وتحاول الرواية أن تفلت من إسار الذاتي، الذي يغلب علي المشهد الروائي لجيل الشباب، من خلال تبنيها قضيتين كبيرتين، الأولي سياسية، شغلت وتشغل العالم كله، وهي قضية احتلال العراق، وهنا يستعين الراوي/ البطل ببعض مانشيتات الصحف ليلة الحرب وفي أيامها الأولي، لكنه لا يلبث أن ينطوي علي ذاته ويبدأ يفكر فيما إذا كانت مصر ذكرا أم أنثي، ليهوي إلي حزن دفين، يضعه علي أبواب الانتحار بعد معاناة. والثانية هي التماهي في الذات الإلهية، وهي مسألة يستذكرها البطل من خلال الشيخ ثابت، ذلك المتصوف الذي يردد دوما "من ذاق عرف"، ويسعي إلي أن يكون عبدا ربانيا، يقول للشيء كن فيكون، وكذلك حكاية سمعان الخراز الذي تمكن من نقل جبل المقطم من مكانه بعد ترديد كلمة "كيرياليسون" التي تعني "ارحم يا رب" ليثبت لليهودي يعقوب بن كلس، وزير المعز لدين الله الفاطمي، أن لدي المسيحيين إيماناً راسخاً بالله. ويتماهي البطل في هذه الأسطورة ويبحث فيها عما يشبع رغبته في الانعتاق فيقول لنفسه: "سأرددها ألف مرة لو ينجني الله من عزلتي هذه، فتندك الأسوار جميعها، وأخرج سالما.. سأرددها طوال عمري لو أري النور.. كيرياليسون.. كيرياليسون.."
لكن بين الإحساس بالذنب الذي يسيطر علي البطل في بداية الرواية نتيجة إهماله ورقة تحمل "دعوة دينية إسلامية إلي الإيمان" وإيعازه كل ما لاقاه من مشاكل إلي هذا التصرف، وبين استلهامه في نهايتها معجزة الخراز، لا يجد شيئا يهدئ من روعه، ويخفف عنه وطأة الاكتئاب، والشعور القاتل بالوحدة، سوي الغرق التام في الأحلام، والرغبة في أن يفدي الآخرين: "يقف، يستشعر حريته، ما دام السجن سيمنح الحرية للآخرين، فهو حر".
ورغم أن هاني عبد المريد لم يتعمق كثيرا في رسم ملامح المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية، وهي المسألة التي طالما جذبت كثيرين من الروائيين للغرق في تفاصيلها المثيرة، ومع أنه أبدي حرصا مصطنعا في بعض المواضع علي كسر التابوهات الثلاثة "الدين والسياسة والجنس"، واستهوته أحيانا الطرق الجديدة للسرد مثل رسم الأشكال الهندسية، التي يراها بعض النقاد مجرد تقاليع طالما لم تكن هناك حاجة ملحة إليها في بناء النص، فإن "كيرياليسون" رواية جذابة وجريئة، ينطوي مضمونها علي معاني كبري ممتزجة بتجربة إنسانية ذاتية متداولة. كما لا تخلو الرواية من محاولة تجديد في الشكل، من خلال تدوير الأزمنة والأمكنة وتبادل الأدوار بين الشخصيات وإيجاد مساحة مقصودة من الغموض والتحام المتن بالهامش والمقتبس بالنص الأصلي، وهي في خاتمة المطاف، تبدو واحدة من أفضل الروايات التي أنتجها الشباب في الآونة الأخيرة، وتنم عن روائي يمتلك أدواته، وباستطاعته أن يبدع لنا في المستقبل نصوصا أصلب عودا، وأثري مضمونا، وأسلس لغة، وأمتع سردا
عن جريدة البديل 

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية