شُكْرَاً لَكُمْ
فحبيبتي قُتِلَتْ وصارَ بوسْعِكُم
أن تشربوا كأساً على قبرِ الشهيدة
وقصيدتي اغتيلت
إلاَّ نحنُ - تغتالُ القصيدة ؟
بلقيسُ
كانتْ أجملَ المَلِكَاتِ في تاريخ بابِِلْ
بلقيسُ
كانت أطولَ النَخْلاتِ في أرض العراقْ
كانتْ إذا تمشي
ترافقُها طواويسٌ
وتتبعُها أيائِلْ
بلقيسُ .. يا وَجَعِي
ويا وَجَعَ القصيدةِ حين تلمَسُهَا الأناملْ
هل يا تُرى
من بعد شَعْرِكِ سوفَ ترتفعُ السنابلْ ؟
يا نَيْنَوَى الخضراء
يا غجريَّتي الشقراء
يا أمواجَ دجلةَ
تلبسُ في الربيعِ بساقِهِا
أحلى الخلاخِلْ
قتلوكِ يا بلقيسُ
أيَّةُ أُمَّةٍ عربيةٍ
تلكَ التي
تغتالُ أصواتَ البلابِلْ ؟
أين السَّمَوْأَلُ ؟
والمُهَلْهَلُ ؟
والغطاريفُ الأوائِلْ ؟
فقبائلٌ أَكَلَتْ قبائلْ
وثعالبٌ قتلتْ ثعالبْ
فهل البطولةُ كِذْبَةٌ عربيةٌ ؟
أم مثلنا التاريخُ كاذبْ ؟
بلقيسُ
لا تتغيَّبِي عنّي
فإنَّ الشمسَ بعدكِ
لا تُضيءُ على السواحِلْ
سأقول في التحقيق
إنَّ اللصَّ أصبحَ يرتدي ثوبَ المُقاتِلْ
وأقول في التحقيق
إنَّ القائدَ الموهوبَ أصبحَ كالمُقَاوِلْ
وأقولُ
إن حكايةَ الإشعاع ، أسخفُ نُكْتَةٍ قِيلَتْ
فنحنُ قبيلةٌ بين القبائِلْ
هذا هو التاريخُ . . يا بلقيسُ
كيف يُفَرِّقُ الإنسانُ
ما بين الحدائقِ والمزابلْ
بلقيسُ
أيَّتها الشهيدةُ .. والقصيدة
والمُطَهَّرَةُ النقيَّةْ
سبأٌ تفتِّشُ عن مَلِيكَتِهَا
فرُدِّي للجماهيرِ التحيَّةْ
يا أعظمَ المَلِكَاتِ
يا امرأةً تُجَسِّدُ كلَّ أمجادِ العصورِ السُومَرِيَّةْ
بلقيسُ
يا عصفورتي الأحلى
ويا أَيْقُونتي الأَغْلَى
ويا دَمْعَاً تناثرَ فوقَ خَدِّ المجدليَّةْ
أَتُرى ظَلَمْتُكِ إذْ نَقَلْتُكِ
ذاتَ يومٍ .. من ضفافِ الأعظميَّةْ
بيروتُ .. تقتُلُ كلَّ يومٍ واحداً مِنَّا
وتبحثُ كلَّ يومٍ عن ضحيَّةْ
والموتُ .. في فِنْجَانِ قَهْوَتِنَا
وفي مفتاح شِقَّتِنَا
وفي أزهارِ شُرْفَتِنَا
وفي وَرَقِ الجرائدِ
والحروفِ الأبجديَّةْ
ها نحنُ .. يا بلقيسُ
ندخُلُ مرةً أُخرى لعصرِ الجاهليَّةْ
ها نحنُ ندخُلُ في التَوَحُّشِ
والتخلّفِ .. والبشاعةِ .. والوَضَاعةِ
ندخُلُ مرةً أُخرى .. عُصُورَ البربريَّةْ
حيثُ الكتابةُ رِحْلَةٌ
بينِ الشَّظيّةِ .. والشَّظيَّةْ
حيثُ اغتيالُ فراشةٍ في حقلِهَا
صارَ القضيَّةْ
هل تعرفونَ حبيبتي بلقيسَ ؟
فهي أهمُّ ما كَتَبُوهُ في كُتُبِ الغرامْ
كانتْ مزيجاً رائِعَاً
بين القَطِيفَةِ والرُّخَامْ
كان البَنَفْسَجُ بينَ عَيْنَيْهَا
ينامُ ولا ينامْ
بلقيسُ
يا عِطْرَاً بذاكرتي
ويا قبراً يسافرُ في الغمام
قتلوكِ ، في بيروتَ ، مثلَ أيِّ غزالةٍ
من بعدما .. قَتَلُوا الكلامْ
بلقيسُ
ليستْ هذهِ مرثيَّةً
لكنْ
على العَرَبِ السلامْ
بلقيسُ
مُشْتَاقُونَ .. مُشْتَاقُونَ .. مُشْتَاقُونَ
والبيتُ الصغيرُ
يُسائِلُ عن أميرته المعطَّرةِ الذُيُولْ
نُصْغِي إلى الأخبار .. والأخبارُ غامضةٌ
ولا تروي فُضُولْ
بلقيسُ
مذبوحونَ حتى العَظْم
والأولادُ لا يدرونَ ما يجري
ولا أدري أنا .. ماذا أقُولْ ؟
هل تقرعينَ البابَ بعد دقائقٍ ؟
هل تخلعينَ المعطفَ الشَّتَوِيَّ ؟
هل تأتينَ باسمةً
وناضرةً
ومُشْرِقَةً كأزهارِ الحُقُولْ ؟
بلقيسُ
إنَّ زُرُوعَكِ الخضراءَ
ما زالتْ على الحيطانِ باكيةً
وَوَجْهَكِ لم يزلْ مُتَنَقِّلاً
بينَ المرايا والستائرْ
حتى سجارتُكِ التي أشعلتِها
لم تنطفئ
ما زالَ يرفضُ أن يسافرْ
مطعونونَ .. مطعونونَ في الأعماقِ
والأحداقُ يسكنُها الذُهُولْ
بلقيسُ
كيف أخذتِ أيَّامي .. وأحلامي
وألغيتِ الحدائقَ والفُصُولْ
يا زوجتي
وحبيبتي .. وقصيدتي .. وضياءَ عيني
قد كنتِ عصفوري الجميلَ
فكيف هربتِ يا بلقيسُ منّي ؟
بلقيسُ
هذا موعدُ الشَاي العراقيِّ المُعَطَّرِ
والمُعَتَّق كالسُّلافَةْ
فَمَنِ الذي سيوزّعُ الأقداحَ .. أيّتها الزُرافَةْ ؟
ومَنِ الذي نَقَلَ الفراتَ لِبَيتنا
وورودَ دَجْلَةَ والرَّصَافَةْ ؟
بلقيسُ
إنَّ الحُزْنَ يثقُبُنِي
وبيروتُ التي قَتَلَتْكِ .. لا تدري جريمتَها
وبيروتُ التي عَشقَتْكِ
تجهلُ أنّها قَتَلَتْ عشيقتَها
وأطفأتِ القَمَرْ
بلقيسُ
يا بلقيسُ
يا بلقيسُ
كلُّ غمامةٍ تبكي عليكِ
فَمَنْ تُرى يبكي عليَّا
بلقيسُ .. كيف رَحَلْتِ صامتةً
ولم تَضَعي يديْكِ .. على يَدَيَّا ؟
بلقيسُ
كيفَ تركتِنا في الريح
نرجِفُ مثلَ أوراق الشَّجَرْ ؟
وتركتِنا - نحنُ الثلاثةَ - ضائعينَ
كريشةٍ تحتَ المَطَرْ
أتُرَاكِ ما فَكَّرْتِ بي ؟
وأنا الذي يحتاجُ حبَّكِ .. مثلَ زينبَ أو عُمَرْ
بلقيسُ
يا كَنْزَاً خُرَافيّاً
ويا رُمْحَاً عِرَاقيّاً
وغابَةَ خَيْزُرَانْ
يا مَنْ تحدَّيتِ النجُومَ ترفُّعاً
مِنْ أينَ جئتِ بكلِّ هذا العُنْفُوانْ ؟
بلقيسُ
أيتها الصديقةُ .. والرفيقةُ
والرقيقةُ مثلَ زَهْرةِ أُقْحُوَانْ
ضاقتْ بنا بيروتُ .. ضاقَ البحرُ
ضاقَ بنا المكانْ
بلقيسُ : ما أنتِ التي تَتَكَرَّرِينَ
فما لبلقيسَ اثْنَتَانْ
بلقيسُ
تذبحُني التفاصيلُ الصغيرةُ في علاقتِنَا
وتجلُدني الدقائقُ والثواني
فلكُلِّ دبّوسٍ صغيرٍ .. قصَّةٌ
ولكُلِّ عِقْدٍ من عُقُودِكِ قِصَّتانِ
حتى ملاقطُ شَعْرِكِ الذَّهَبِيِّ
تغمُرُني ،كعادتِها ، بأمطار الحنانِ
ويُعَرِّشُ الصوتُ العراقيُّ الجميلُ
على الستائرِ
والمقاعدِ
والأوَاني
ومن المَرَايَا تطْلَعِينَ
من الخواتم تطْلَعِينَ
من القصيدة تطْلَعِينَ
من الشُّمُوعِ
من الكُؤُوسِ
من النبيذ الأُرْجُواني
بلقيسُ
يا بلقيسُ .. يا بلقيسُ
لو تدرينَ ما وَجَعُ المكانِ
في كُلِّ ركنٍ .. أنتِ حائمةٌ كعصفورٍ
وعابقةٌ كغابةِ بَيْلَسَانِ
فهناكَ .. كنتِ تُدَخِّنِينَ
هناكَ .. كنتِ تُطالعينَ
هناكَ .. كنتِ كنخلةٍ تَتَمَشَّطِينَ
وتدخُلينَ على الضيوفِ
كأنَّكِ السَّيْفُ اليَمَاني
بلقيسُ
أين زجَاجَةُ ( الغِيرلاَنِ ) ؟
والوَلاّعةُ الزرقاءُ
أينَ سِجَارةُ الـ (الكَنْتِ ) التي
ما فارقَتْ شَفَتَيْكِ ؟
أين (الهاشميُّ ) مُغَنِّيَاً
فوقَ القوامِ المَهْرَجَانِ
تتذكَّرُ الأمْشَاطُ ماضيها
فَيَكْرُجُ دَمْعُهَا
هل يا تُرى الأمْشَاطُ من أشواقها أيضاً تُعاني ؟
بلقيسُ : صَعْبٌ أنْ أهاجرَ من دمي
وأنا المُحَاصَرُ بين ألسنَةِ اللهيبِ
وبين ألسنَةِ الدُخَانِ
بلقيسُ : أيتَّهُا الأميرَةْ
ها أنتِ تحترقينَ .. في حربِ العشيرةِ والعشيرَةْ
ماذا سأكتُبُ عن رحيل مليكتي ؟
إنَ الكلامَ فضيحتي
ها نحنُ نبحثُ بين أكوامِ الضحايا
عن نجمةٍ سَقَطَتْ
وعن جَسَدٍ تناثَرَ كالمَرَايَا
ها نحنُ نسألُ يا حَبِيبَةْ
إنْ كانَ هذا القبرُ قَبْرَكِ أنتِ
أم قَبْرَ العُرُوبَةْ
بلقيسُ
يا صَفْصَافَةً أَرْخَتْ ضفائرَها عليَّ
ويا زُرَافَةَ كبرياءْ
بلقيسُ
إنَّ قَضَاءَنَا العربيَّ أن يغتالَنا عَرَبٌ
ويأكُلَ لَحْمَنَا عَرَبٌ
ويبقُرُ بطْنَنَا عَرَبٌ
ويَفْتَحَ قَبْرَنَا عَرَبٌ
فكيف نفُرُّ من هذا القَضَاءْ ؟
فالخِنْجَرُ العربيُّ .. ليسَ يُقِيمُ فَرْقَاً
بين أعناقِ الرجالِ
وبين أعناقِ النساءْ
بلقيسُ
إنْ هم فَجَّرُوكِ .. فعندنا
كلُّ الجنائزِ تبتدي في كَرْبَلاءَ
وتنتهي في كَرْبَلاءْ
لَنْ أقرأَ التاريخَ بعد اليوم
إنَّ أصابعي اشْتَعَلَتْ
وأثوابي تُغَطِّيها الدمَاءْ
نرجعُ كلَّ يومٍ ، ألفَ عامٍ للوَرَاءْ
البحرُ في بيروتَ
بعد رحيل عَيْنَيْكِ اسْتَقَالْ
والشِّعْرُ .. يسألُ عن قصيدَتِهِ
التي لم تكتمِلْ كلماتُهَا
ولا أَحَدٌ .. يُجِيبُ على السؤالْ
الحُزْنُ يا بلقيسُ
يعصُرُ مهجتي كالبُرْتُقَالَةْ
الآنَ .. أَعرفُ مأزَقَ الكلماتِ
أعرفُ وَرْطَةَ اللغةِ المُحَالَةْ
وأنا الذي اخترعَ الرسائِلَ
لستُ أدري .. كيفَ أَبْتَدِئُ الرسالَةْ
السيف يدخُلُ لحم خاصِرَتي
وخاصِرَةِ العبارَةْ
كلُّ الحضارةِ ، أنتِ يا بلقيسُ ، والأُنثى حضارَةْ
بلقيسُ : أنتِ بشارتي الكُبرى
فَمَنْ سَرَق البِشَارَةْ ؟
أنتِ الكتابةُ قبْلَمَا كانَتْ كِتَابَةْ
أنتِ الجزيرةُ والمَنَارَةْ
بلقيسُ
يا قَمَرِي الذي طَمَرُوهُ ما بين الحجارَةْ
الآنَ ترتفعُ الستارَةْ
الآنَ ترتفعُ الستارِةْ
سَأَقُولُ في التحقيقِ
إنّي أعرفُ الأسماءَ .. والأشياءَ .. والسُّجَنَاءَ
والشهداءَ .. والفُقَرَاءَ .. والمُسْتَضْعَفِينْ
وأقولُ إنّي أعرفُ السيَّافَ قاتِلَ زوجتي
ووجوهَ كُلِّ المُخْبِرِينْ
وأقول : إنَّ عفافَنا عُهْرٌ
وتَقْوَانَا قَذَارَةْ
وأقُولُ : إنَّ نِضالَنا كَذِبٌ
وأنْ لا فَرْقَ
ما بين السياسةِ والدَّعَارَةْ
سَأَقُولُ في التحقيق
إنّي قد عَرَفْتُ القاتلينْ
وأقُولُ
إنَّ زمانَنَا العربيَّ مُخْتَصٌّ بذَبْحِ الياسَمِينْ
وبقَتْلِ كُلِّ الأنبياءِ
وقَتْلِ كُلِّ المُرْسَلِينْ
حتّى العيونُ الخُضْرُ
يأكُلُهَا العَرَبْ
حتّى الضفائرُ .. والخواتمُ
والأساورُ .. والمرايا .. واللُّعَبْ
حتّى النجومُ تخافُ من وطني
ولا أدري السَّبَبْ
حتّى الطيورُ تفُرُّ من وطني
و لا أدري السَّبَبْ
حتى الكواكبُ .. والمراكبُ .. والسُّحُبْ
حتى الدفاترُ .. والكُتُبْ
وجميعُ أشياء الجمالِ
جميعُها .. ضِدَّ العَرَب
يا بلقيسُ
لُؤْلُؤَةً كريمَةْ
فَكَّرْتُ : هل قَتْلُ النساء هوايةٌ عَربيَّةٌ
أم أنّنا في الأصل ، مُحْتَرِفُو جريمَةْ ؟
بلقيسُ
يا فَرَسِي الجميلةُ .. إنَّني
من كُلِّ تاريخي خَجُولْ
هذي بلادٌ يقتلُونَ بها الخُيُولْ
هذي بلادٌ يقتلُونَ بها الخُيُولْ
مِنْ يومِ أنْ نَحَرُوكِ
يا بلقيسُ
يا أَحْلَى وَطَنْ
لا يعرفُ الإنسانُ كيفَ يعيشُ في هذا الوَطَنْ
لا يعرفُ الإنسانُ كيفَ يموتُ في هذا الوَطَنْ
ما زلتُ أدفعُ من دمي
أعلى جَزَاءْ
كي أُسْعِدَ الدُّنْيَا .. ولكنَّ السَّمَاءْ
شاءَتْ بأنْ أبقى وحيداً
مثلَ أوراق الشتاءْ
هل يُوْلَدُ الشُّعَرَاءُ من رَحِمِ الشقاءْ ؟
وهل القصيدةُ طَعْنَةٌ
في القلبِ .. ليس لها شِفَاءْ ؟
أم أنّني وحدي الذي
عَيْنَاهُ تختصرانِ تاريخَ البُكَاءْ ؟
سَأقُولُ في التحقيق
كيف غَزَالتي ماتَتْ بسيف أبي لَهَبْ
كلُّ اللصوص من الخليجِ إلى المحيطِ
يُدَمِّرُونَ .. ويُحْرِقُونَ
ويَنْهَبُونَ .. ويَرْتَشُونَ
ويَعْتَدُونَ على النساءِ
كما يُرِيدُ أبو لَهَبْ
كُلُّ الكِلابِ مُوَظَّفُونَ
ويأكُلُونَ
ويَسْكَرُونَ
على حسابِ أبي لَهَبْ
لا قَمْحَةٌ في الأرض
تَنْبُتُ دونَ رأي أبي لَهَبْ
لا طفلَ يُوْلَدُ عندنا
إلا وزارتْ أُمُّهُ يوماً
فِراشَ أبي لَهَبْ
لا سِجْنَ يُفْتَحُ
دونَ رأي أبي لَهَبْ
لا رأسَ يُقْطَعُ
دونَ أَمْر أبي لَهَبْ
ذليلة موطَّأة
كأنها تراب مقبرة
و كان موته الغريب باهتا مباغتا
منتظَرا, مباغتا
الميتة المكررة
كان بلا أهل, بلا صِحاب
فلم يشارك صاحبا_حين الصبا_لهوَ الصبا
ليحفظ الوداد في الشباب
طان وحيدا نازفا كعابر السحاب
و شائعا كما الذباب
و كنتُ أعرفه
أراه كلما رسا بيَ الصباح في بحيرة العذاب
أجمع في الجراب
بضع لقيمات تناثرت على شطوطها التراب
ألقى بها الصبيان للدجاج و الكلاب
و كنت إن تركتُ لقمة أنفتُ أن ألمُّها
يلقطها, يمسحها في كمِّهِ
يبوسها
يأكلها
في عالم كالعالم الذي نعيش فيه
تعشى عيون التافهين عن وساخة الطعام و الشراب
و تسألونني: اكان صاحبي؟
و كيف صحبةٌ تقوم بين راحلَيْن؟
إذن لماذا حينما نعى الناعي إليَّ نعيَهُ
بكيتهُ
و زارني حزني الغريب ليلتين
ثم رثيتهُ؟
و أن يرى الجمال في النظام
و كان نادرَ الكلام
كأنه يبصر بين كل لفظتين
أكذوبة ميّتة يخاف أن يبعثها كلامُهُ
ناشرة الفودين, مرخاة الزمام
و كان في المسا يطيل صحبةَ النجوم
ليبصر الخيط الذي يلمُّها
مختبئا خلف الغيوم
ثم ينادي اللهَ قبل أن ينام
الله, هب لي المقلة التي ترى
خلف تشَتُّتِ الشكول و الصور
تغيُّر الألوان و الظلال
خلف اشتباه الوهم و المجاز و الخيال
و خلف ما تسدله الشمس على الدنيا
و ما ينسجه القمر
حقائقَ الأشياء و الأحوال
و تسألونني: أكان صاحبي؟
هل صحبة تقوم بين سيدٍ عظيم
و خادمٍ محتال؟
حين يجىء الليل
حتى لا يتعطَّن كالخبز المبتل
يتحول خمرا
تتلامس ضحكته الأسيانة في ضخكته الفرحانة
طينا لمَّاعاً أسود
أو بلورا
و يخشخش في صوت الضحكات المرسَل
صوت كتكسُّر قشر الجوز المثقل
كنا نتلاقى
أو بالأحرى نتوحد, كل مساء
في قاع الحانة
كالأكواخ المتقاربة المنهارة
و الريح من الشباك المترب للشباك المترب
تتسكّع بين فراغات الأشياء
يتنحَّى كلٌّ منا عن موضعه للجار الأقرب
لا عن أدب و حياء
بل خوفا أن تختل الدورة
إذ نتصادم أو نتلاقى
كلمات, أو أذرعة, أو آلاما, أو أهواء
حذرا أن نهتز و نتفتَّح
يتقارب كلٌّ منا في داخله كالأجَمِ الفارغ
فإذا مال تنحنح
كان صديقي في ساعات الليل الأولى
يتجول في بلدتهِ
كانت بلدتُه ساعات الليل الأولى
و يجمِّع من مهجته المنثورة
أو من بهجته المكسورة
ما ذاب نهارا في أسفلت الطرقات
يترشَّفُه قطرات...قطرات
حتى يمتلىء كما تمتلىء القارورة
يتعمَّمُ بالختم الطينيِّ اللمَّاع على عينيه الطيبتين
ينقش فوق نداوته المحبورة
صورةَ كون فياض بالضحكات
يتدحرج نحو الحانة
يتعثَّر في أيدينا مختارا
يهوي مسفوحا
يتأرَّج عطرا, ريحا, روحا
يجعلنا أحيانا نضحك كالخمر الصفراء
إذ ندرك أان الأشياء المبذولة, مبذولة
و الأشياء العادية, عادية
و الأشياء الملساء, مجرد أشياء ملساء
يجعلنا أحيانا نضحك, إذ يضحك كالخمر السوداء
إذ يبصر في ورق الشجر المتهاوي
موتَ البذرة
أو يتحسَّسُ بلسان الحكمة, و اللامعنى
حين يمصُّ ثنايا امرأة في قُبلتها الأولى
جدرانَ الجمجمة النخِرة
كنا, و صديقي, في آخر ساعات الليل
نتحول عاصفة مخمورة
تتخدد فوق ملامحنا
تجعلنا نهتزُّ و نتفتَّح
تجعلنا نتكسَّر
حتى نبدو كتلا متشابهة, متكررة, متآلفةً
من إنسان فرد متكثِّر
مات صديقي أمس
إذ جاء إلى الحانة, لم يُبصر منا أحدا
أقعى في مقعدهِ مختوما بالبهجة
حتى انتصف الليل
لم يُبصر منا أحدا
سالت من ساقيهِ البهجة
و ارتفعت حكمته حتى مسَّت قلبَه
فتسمَّم بالحكمة
غاب الندماء, فلم يقدر أن يتحول خمرا
و تفتَّت مثل رغيف الخبز
قصيدة للشاعرأمل دنقل ...
العرافة المقدسة
جئت إليك مثخنا بالطعنات والدماء
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدسة
منكسر السيف، مغبر الجبين والأعضاء
أسأل يا زرقاء
عن فمك الياقوت عن نبوءة العذراء
عن ساعدي المقطوع .. وهو ما يزال ممسكا بالراية المنكسة
عن صور الأطفال في الخوذات... ملقاة علي الصحراء
عن جاري الذي يهم بارتشاف الماء
فيثقب الرصاص رأسه .. في لحظة الملامسة
عن الفم المحشو بالرمال والدماء
أسأل يا زرقاء
عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدار
عن صرخة المرأة بين السبي والفرار
كيف حملت العار
ثم مشيت؟ دون أن أقتل نفسي؟ دون أن أنهار؟
ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة؟
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي بالله باللعنة بالشيطان
لا تغمضي عينيك، فالجرذان
تلعق من دمي حساءها .. ولا أردها
تكلمي لشد ما أنا مهان
لا الليل يخفي عورتي .. ولا الجدران
ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدها
ولا احتمائي في سحائب الدخان
.. تقفز حولي طفلة واسعة العينين.. عذبة المشاكسة
كان يقص عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادق
فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادق
وحين مات عطشا في الصحراء المشمسة
رطب باسمك الشفاه اليابسة
وارتخت العينان
فأين أخفي وجهي المتهم المدان؟
والضحكة الطروب: ضحكته ..
والوجه .. والغمازتان
***
أيتها النبية المقدسة
لا تسكتي .. فقد سكت سنة فسنة لكي أنال فضلة الأمان
قيل لي اخرس
فخرست وعميت ائتممت بالخصيان
ظللت في عبيد عبس أحرس القطعان
أجتز صوفها
أرد نوقها
أنام في حظائر النسيان
طعامي الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسة
وها أنا في ساعة الطعان
ساعة أن تخاذل الكماة والرماة والفرسان
دعيت للميدان
أنا الذي ما ذقت لحم الضان
أنا الذي لا حول لي أو شأن
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان
أدعي الى الموت ولم أدعَ الى المجالسة
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي تكلمي
فها أنا علي التراب سائل دمي
وهو ظمئ يطلب المزيدا
أسائل الصمت الذي يخنقني
ما للجمال مشيها وئيدا
أجندلا يحملن أم حديدا
فمن تري يصدقني؟
أسائل الركع والسجودا
أسائل القيودا
ما للجمال مشيها ويدا
ما للجمال مشيها وئيدا؟
***
أيتها العرافة المقدسة
ماذا تفيد الكلمات البائسة؟
قلت لهم ما قلت عن قوافل الغبار
فاتهموا عينيك، يا زرقاء بالبوار
قلت لهم ما قلت عن مسيرة الأشجار
فاستضحكوا من وهمك الثرثار
وحين فوجئوا بحد السيف: قايضوا بنا
والتمسوا النجاة والفرار
ونحن جرحي القلب
جرحي الروح والفم
لم يبقي الا الموت
والحطام
والدمار
وصبية مشردون يعبرون آخر الأنهار
ونسوة يسقن في سلاسل الأسر
وفي ثياب العار
مطاطئات الرأس، لا يملكن الا الصرخات التاعسة
* * *
ها أنت يا زرقاء
وحيدة، عمياء
وما تزال أغنيات الحب، والأضواء
والعربات الفارهات، والأزياء
فأين أخفي وجهي المشوها
كي لا أعكر الصفاء الأبله المموها
في أعين الرجال والنساء
وأنت يا زرقاء
وحيدة عمياء
وحيدة عمياء
يونيو 1967
مم نخشى ؟
الحكومات التى فى ثقبها
تفتح اسرائيل ممشى
لم تزل للفتح عطشى
تستزيد النبش نبشا !
وإذا مر عليها بيت شعر .. تتغشى !
تستحى وهى بوضع الفحش
أن تسمع فحشا !
مم نخشى ؟
أبصر الحكام أعشى
أكثر الحكام زهدا
يحسب البصقة قرشا
أطول الحكام سيفا
يتقى الخيفة خوفا
ويرى اللاشىء وحشا !
أوسع الحكام علما
لو مشى فى طلب العلم الى الصين
لما أفلح أن يصبح جحشا !
مم نخشى ؟
ليست الدولة والحاكم إلا
بئر بترول وكرشا
دولة لو مسها الكبريت .. طارت
حاكم لو مسه الدبوس .. فشا
هل رأيتم مثل هذا الغش غشا ؟!
مم نخشى؟
نملة لو عطست تكسح جيشا
وهباء لو تمطى كسلا يقلب عرشا !
فلماذا تبطش الدمية بالانسان بطشا ؟!
انهضوا...آن لهذا الحاكم المنفوش مثل الديك
أن يشبع نفشا
انهشوا الحاكم نهشا
واصنعوا من صولجان الحكم رفشا
واحفروا القبر عميقا
واجعلوا الكرسى نعشا !
***
الأسى آس لما نلقاه
والحزن حزين !
نزرع الأرض .. ونغفو جائعين
نحمل الماء .. ونمشى ظامئين
نخرج النفط
ولا دفء ولا ضوء لنا
إلا شرارات الأمانى ومصابيح اليقين
وأمير المؤمنين منصف فى قسمة المال
فنصف لجواريه
ونصف لذويه الجائرين
وابنه - وهو جنين -
يتقاضى راتبا أكبر من راتب أهلى أجمعين
فى مدى عشر سنين !
ربنا .. هل نحن من ماء مهين
وإبنه من (بيسبى كولا )؟!
ربنا .. هل نحن من وحل وطين
وابنه من (أسبرين) ؟!
ربنا .. فى أى دين
تملك النطفة فى البنك رصيدا،
وألوف الكادحين
يستدينون لصرف الدائنين؟
أى دين؟
يجعل الحق لبيت واحد
فى بيت مال المسلمين
ولباقى المسلمين
صدقات المحسنين؟
رب هل من أجل
عشرين لقيطا ولواطيا
خلقت العالمين ؟
إن يكن هذا
فيا رب لماذا
لم تكرم قوم لوط؟
ولماذا لم تعلمنا السقوط ؟
ولماذا لم نجىء
من بين أفخاذ اللواتى
مثل أولاد الذين ... ؟!
قِفـوا ضِـدّي .
دَعُوني أقتفي وَحْدي .. خُطى وَحْدي !
أنا مُنذُ اندلاع براعِمِ الكلماتِ في مَهدي
قَطَعتُ العُمرَ مُنفرداً
أصُـدُّ مناجِلَ الحَصْدِ
وَما مِن مَوْردٍ عِندي لأسلحتي
سِوى وَرْدي !
فَلا ليَ ظَهْرُ أمريكا
لِيُسندَ ظَهريَ العاري .
وَلا ليَ سُلطةٌ تُوري
بِقَدْح زنادها ناري .
وَلا ليَ بَعدَها حِزبُ
يُسَدِّدُ زَنْدُهُ زَندي .
***
قِفـوا ...
لن تَبلُغوا مِنّي وُقُوفَ النّدِّ للِندِّ ِ.
مَتى كُنتمْ مَعي.. حتَى
أُضارَ بِوَحشةِ البُعْـدِ ؟
أَنا مَن ضَمّكُمْ مَعَهُ
لِتَرفعَ قِيمَـةُ الأصفارِ قامَتَها لَدى العَـدِّ
بظِلِّ الواحدِ الفَرد ِ.
ولكنّي، بطُولِ الجُهْـدِ ،
لَم أَبلُغْ بها قَصْـدي .
أُحرّكُها إلى اليُمنى
فألقاها على اليُسرى
وتَجمعُ نَفسَها دُوني
فَيُصبحُ جَمْعُها : صِفرا .
وَما ضيري ؟
أنا في مُنتهى طَمَعي .. وفي زُهْـدي
سَأبقى واحِداً.. وَحْـدي !
***
فَمي أَضناهُ حَـكُّ الشَّمْعِ عن فَمِكُم .
بحقِّ الباطِلِ المَصهورِ في دَمِكُمْ
قِفوا ضِـدّي .
دَعُوني، مَرّةً، أُهدي سَنا جُهدي
لِما يُجـدي .
فَمَهْما أَشرقَتْ شَمسي
فلن تَلقى لَها جَـدوى
سِوى الإعراضِ والصَدِّ
مَنَ العُمْيانِ والرُّمْدِ .
***
قِفـوا ضِـدّي .
أنا حُـرُّ .. ولا أرجو بَراءةَ ذِمَّةٍ
مِن ذِمّـةِ العَبْدِ .
خُـذوا أوراق إثباتي .
خُذوا خِزْيَ انصهاري في ذَواتٍ
أَخجَلتْ ذاتي .
سَفَحتُ العُمْـرَ
أُوقـِظُ نائِمَ الإنسان في دَمِها
وَحينَ تَحرَّكَتْ أطرافُ نائِمِها
مَشَتْ فَوقي .. تُجدِّدُ بَيعةَ القـردِ !
خُـذوا آبارَكُمْ عَنّي .
خُـذوا النّار الّتي مُتُّمْ بِها
مِن شِدَّةِ البَـرْد ِ!
خُـذوا أنهارَكُمْ عَنّي
خُـذوا الدَّمْعَ الذّي يَجري
كسكّينٍ على خَـدّي .
خُذوا الأضواءَ والضّوضاءَ
عَن عَيني وَعَن أُذُني ..
أَنَا ابنُ الغَيمِ
لي مِن دُونِكُمْ بَرقي وَلي رَعْدي .
قِفـُوا ضِـدّي ..
كَفاني أنّني لم أنتزِعْ مِن قَبلِكُمْ جِلدي .
وأنّي لم أَبعْني، مِثلَكُمْ ، في ساعةِ الجِدِّ .
كَفاني بَعدَكمْ أنّي
بَقيتَُ ، كما أنا ، عِنْـدي .
فَماذا عِندَكُمْ بَعْـدي ؟!
أحمد مطر
ديوان قصائد للشاعر نزار قباني
(1) تعليقات
هوية
****
هكذا أنا
لا وقت للندم
لهوٌ بالأقدار وضجرٌ سريع
وعودٌ تتذمّر من خيانة الإهمال
عبثاً تغييري
اليقين غريبي
لأنّ إرباك الحبّ
لأنّ الخيال
لأنّي لا اصلح
إلا
للكسل
في الوقت الأخير مواعيدي
في الإنسحاب قبل الأوان
في شمسٍ لا تكفي
في ليلٍ لا ينقذ
في نزواتٍ قيد العطش والإرتواء
هكذا انا
صمتٌ لأجمع شملي
إرهابٌ بطيء لأتبدّد
صمتٌ وإرهاب لأشفى من ذاكرة لئيمة
عبثاً الضوء كي أهتدي
لا املك سوى أغلاطي
***********
غــابة
******
في الغابة
أحلام تنزل من أقمار رأسي الوفية
إخوة مجهولون يحظون بتمام النعمة
قدري يفرّقهم ويجمعهم
في الغابة
حريقٌ يحفظني كالحارس
حوارٌ مخدّر طرفاه لا يتعارفان
حكاية إثم وتوبة
من جحيم الخيال
الى مطهر الأصابع
في الغابة
شبق يسلّم اللذة وشبق يتلقّاها
يد تعطي ويد تأخذ
حتى لا يتكّل ملاك على ملاك
<<الصفحة الرئيسية









